الطائفي والطائفية….د.قيس جرجس

منبر العراق الحر :
الطائفية النفسية الثقافية السياسية هي مرض انحلال المناعة الذاتي الاجتماعي الإنساني الوطني بامتياز…
الطائفية نفسيا هي شعور بالخوف من الآخر المختلف، غالبا مصحوب بالكره له والحقد عليه، يعطّل مركز الوعي الوطني الإنساني عند الفرد، ويتركه ضحية مشاريع حزبية تقوم على التعصّب والانعزال والانغلاق والتقوقع ضمن كانتونات أشبه بملاجئ ثقافية ومحميات أمنية ومشيخات سياسية…
تستمد الطائفية هويتها الثقافية من الماضي زمن الانشقاقات المذهبية والدينية حول النص الديني وتفسيره والصراعات على السلطة في زمن الدولة الدينية…
وتتأسس على وعي جمعي مغلق برابطة مذهبية موروثة يؤسس لعصبية وثقافة وهوية القبيلة التي تقوم على استبداد الجماعة بالفرد…
تنتعش ذاكرتها القائمة على الاضطهادات والمظلوميات في الماضي، وتنبعث كالنار في الهشيم في زمن الاستبداد والإقصاء والتهميش والتفكك والجهل، بغياب الدولة الوطنية الحديثة الجامعة…
الطائفية السياسية:
هي استثمار حزبي سياسي لما سبق، في تحزيب العصبيات الدينية والمذهبية في خضم الصراع على اغتصاب سلطة الدولة كاملة أو المحاصصة فيها أو اقتسام مواردها وأرضها وتجيير مقدراتها وسرقة مواردها لصالح النافذين في الطائفة…
وتقود هذه اللعبة السياسية العائلات السياسية النافذة والأحزاب الدينية والمذهبية، على حساب الدولة والوطن والناس، حيث يتحوّل الأفراد إلى وقود في الحرب والسلم، لتعوم طبقة سياسية عميلة لكل عوامل الفساد والقهر والتخلف والدول الخارجية الداعمة لها…
الطائفية بالمعيار التاريخي هي نكوص، لمسار التقدم والتطور الاجتماعي الإنساني المنفتح نحو الدولة الوطنية المدنية الحديثة، إلى زمن الدولة الدينية والمماليك والقبائل المذهبية…
وبالمعيار الحضاري هي تفريغ لكل العلاقات الاجتماعية من مضمونها الإنساني في المدى الوطني والعالمي…
لا يوجد طائفة أو مذهب بمنأى عن هذا المرض، ولا يوجد طائفة إلا وفي سيرتها الذاتية مظلومية تاريخية أو ارتكاب مجزرة بحق طائفة أخرى في التاريخ القريب والبعيد…
الطائفية هي مشاريع حروب مدمرة لا تنتهي…
هي مشاريع عميلة ومرتبطة بالمراكز الدينية الخارجية وغير الدينية لتأمين الحماية اللازمة…
أخطر ما في الطائفية، أن الطائفي يلبس لكل حالة لبوسها، هو لا يظهر على حقيقته، بل دائما يرتدي أقنعة سياسية عصرية كالعلمانية والوطنية والمقاومة والثورة والسيادة والحرية…
الطائفي كثيرا ما يكون خلية نائمة في أحزاب تقدمية حتى تشتد حرارة الصراع على السلطة…
هو ينظر لكل ما يحدث من خلال نظّارته الطائفية، في مكان يكون مع المقاومة وفي مكان آخر يكون ضدها، يكون مع الثورة أو الدولة في مكان وفي مكان آخر يكون ضدها، أو يكون مع وحدة البلاد حين تكون السلطة بيد طائفته ويكون مع التقسيم والانفصال حين تذهب السلطة لغير طائفته، هكذا حسب شعوره ومصلحته الطائفية…
الطائفي يدافع عن زعيمه تحت عناوين كثيرة، ولو أفلست شعارات زعيمه المرفوعة، سيدافع عنه تحت ذريعة حمايته من الآخر …
هو بنظره بطلٌ بقدر ما يقتل من الغريم الطائفي الآخر، هو لا ينظر بعين الإنسانية والوطنية إليه كمجرم قاتل، لو أغرق الجميع في الدم أو في الفقر والتعاسة….
الطائفي يتذاكى كثيرا في نقده ويجتهد في ظهوره بريئا جدا ومظلوما جدا، وقد يرتدي ياقة عصرية، وليس بالضرورة أن يمارس الشعائر الدينية أو طقوسها، وقد يكون كافرا، ويزايد عليك بكل القيم العصرية، لكنه باطني جدا بطائفيته المقيتة وانتهازيته الأنانية المستفيدة…
الطائفي حكما عنصري كما العرقي فهو يمارس الإبادة بكل أشكالها وبحجج مختلفة حين يكون الأقوى في المعادلة ويتباكى حين يكون الأضعف…
الطائفية كالدودة التي تنخر جذع الشجرة وتقتلها ببطء، هي تفرّغ كل الصراعات الإنسانية من مضامينها القيمية في العدالة والحرية، فهي تفرّغ الصراع القومي الوطني التحرري وتفرّغ الصراع الطبقي وتفرّغ صراع الحداثة وتجهضها وتشوّهها…
الطائفية السياسية بحاجة دائما للاغتيالات والتفجيرات والمجازر والتهم المتبادلة، كي تحقن قطعانها بالخوف والحقد كلما فترت همتها، وهي في أحسن أحوالها تتوافق في السلم لتسرق الدولة والوطن، وتتداول الحرب حين تستدعي حاجتها أو حاجة الدول الراعية لها…
ستطول الطريق كثيرا حتى يتم تحقيق مستقبلا أفضل، حيث الطوائف تتناول الكورتيزون في هذه البلاد التي تعج بالنفير الديني الطائفي المذهبي، وتحرسها ثلاث مراكز دينية مذهبية، وتستثمر فيه الدول الكبرى الطامعة، وحيث مدّعي الليبرالية من مستحدثي النعمة الثقافية يتقيأ معلوماته وأفكاره وأبحاثه ومصطلحاته الخلّبية كوجبات ثقافية عفنة حامضة لحشرات الطوائف والقبائل والمزابل…

اترك رد