منبر العراق الحر :
أن تكتبني… ثم تقتلني
سأراكِ تكتبين القصة كما تُغزل الجلود في قرى الشتاء،
بيدٍ تقطر بالحريق،
وبقلبٍ يُشبه ضبعا جائعا يعوي في وادٍ من الكلمات.
أبطالكِ لن يمشوا على الأرض، بل فوق ظلالهم،
وسينظرون في المرايا كأنهم يعتذرون عن أعينهم.
ستكتبين مشهدا تسقط فيه امرأةٌ
من طابقٍ خامس إلى حضنها،
ويغادر فيه رجلٌ
الحبَّ كما يغادر الجنود آخرَ معركةٍ بلا خوذة.
سأراكِ تنسجين الحكاية من عرق الأعداء،
من صراخٍ مهملٍ في درج المطبخ،
من فتافيت ندم
تركتها أمّكِ على سفرة الخبز.
سأقرأكِ،
لا كقارئٍ ناعم، بل كذئبٍ يعوي على حروفكِ
ويشمّ دم الجملة الأولى.
سأشهد اللحظة التي تكتبين فيها
القصة التي لم تُكتب، بصورةٍ لم تولد،
وبلغةٍ لا تسكن المعاجم ولا المدن ولا الكتب.
وحين تصلين إلى جملكِ الأخيرة
سأعرف،
أنكِ ستذبحينني أنا بالسطر الأخير.
وستتركينني مفتوحا كجفنٍ في جنازة،
محنيا كعنقِ عودٍ قُطع وتره،
أعدّ أسماء الهاربين من دفتركِ وأكذّب التقويم،
لأن اليوم لا يشبه شيئا
إلا فمكِ، حين أطبقَ على الحكاية.
ستكتبين المطر كما يُكتب الخوف، والنوافذ
كما تُكتب الخيانات،
وستسحبين شال اللغة عن كتف الذاكرة،
لتبقيها عاريةً أمام المقطع الأخير.
في قصتكِ، القبلة لا تُنقذ، والحبل لا يُرمى للغرقى،
وفيها، الناجون دائمًا هم شهود الزور،
والموتى هم وحدهم الذين فهموا المغزى.
وحين تُغلقين الصفحة، سيتردد صوتكِ في الغرفة
كقنبلة لم تنفجر بعد،
وسأعلم أنني لم أكن القارئ،
بل كنتُ أحد شخصياتكِ،
مكتوبا على عجلٍ، بنيةِ القتل.
فهل يمكنني،
أنا،
أن أكون قصتكِ يوما؟
محب خيري الجمال
منبر العراق الحر منبر العراق الحر