منبر العراق الحر :
صدى الظل
غشّى الضبابُ صباحَ المدينة الصغيرة، كأنّه يُخفي أسرارها عن المارّة. كان الطريقُ إلى المدرسة ضيّقًا ومبتلًّا بندى الليل، والحجارةُ تتدحرج تحت أقدام الراكضين إلى صفوفهم.
وسط الضجيج، يمشي سليم وحيدًا. حقيبتُه أثقل من كتفيه، لا بسبب الكتب فقط، بل لكلماتٍ تراكمت في جوفه: «أبو نظّارة»، «الضعيف»، «المشوَّه». لم يعرف أيُّ لقبٍ أوجعه أكثر؛ كان يعرف أنّ كلَّ لقبٍ يترك ندبةً لا يراها سواه.
دخل ساحة المدرسة فارتجف قلبه. لم يحتجْ إلى سماع الضحكات؛ صار صداها يسبقه. جلس في المقعد الأخير قرب النافذة. هناك، كان يهرب إلى السماء بدل مواجهة العيون التي تلسعه كسياط. أخرج كتاب الرياضيات ولم يقرأ سطرًا. مدّ يده إلى مرآةٍ صغيرة متكسّرة خبّأها منذ أشهر؛ لا لينظر جماله أو قبحه، بل ليقيس شقوقه الداخليّة. لا يرى وجهه كاملًا: جزءًا من جبين، نصفَ عين، فمًا مبتورًا. كلّما حركها اكتمل جزءٌ وغاب آخر—لوحةٌ ناقصة تبحث عمّن يُتمّها.
تمتم:
«هل أنا ناقص؟ أم أنكم لا ترون إلا النقص؟»
تعلّم سليم أن الصمت ليس ضعفًا، بل قيدًا ثقيلاً لا يعرف كيف يخلعه. أراد أن يصرخ؛ لم يجد اللغة. أراد الهرب؛ كانت قدماه مشدودتين إلى المقعد كجذور شجرةٍ في أرضٍ جافّة.
في الاستراحة جلس في زاوية الملعب. لعب الأولاد كرة القدم، تتطاير الضحكاتُ من كلّ صوب. اقترب مروان؛ طويلٌ لجيله، عريضُ الكتفين، يتبعه اثنان كظلّين. صرخ ليسمعه الجميع:
— انظروا إلى سليم… كأنّه شبح خرج من المقبرة!
ضحكوا. ضمّ سليم المرآة إلى صدره كحصنٍ أخير. توقّف مروان، حدّق في المرآة ثم قال ببرود:
— حتى المرآة لا تريد أن ترى وجهك كاملًا.
كانت الجملةُ أقسى من أيّ صفعة. انزلقت المرآة من يده—وفي الحقيقة سقطت من داخله.
عاد ببطءٍ إلى البيت كأنّه يحمل مقبرةً صغيرةً في صدره. فتحت الأمُّ البابَ بضحكةٍ دافئة:
— أهلًا يا روحي، كيف كان يومك؟
لم يجرؤ أن يحكي. اكتفى بابتسامةٍ مكسورة تشبه مرآته. صعد إلى غرفته، وكتب في دفترٍ صغير:
«أنا لستُ وجهًا ناقصًا؛ أنا روحٌ تبحث عن اكتمالها.»
كانت تلك أولَ جملةٍ في رحلته الطويلة مع الكتابة، وأولى محاولات النجاة بالحروف.
صار الجرسُ قيدًا يرنّ في أذن سليم حتى بعد أن يصمت. جلس قرب النافذة كعادته، وأغلق على المرآة في درْج المقعد. قرّر اليوم أن يواجه الفراغ دون أن ينهزم. كتب على طرف الدفتر:
«الفراغ ليس غيابًا… إنّه مساحةٌ لتسمية ما لا يُسمّى.»
دخل الأستاذ نادر، معلم الفلسفة الجديد، وسأل دون مقدمات:
— ما الفرق بين القوّة والقدرة؟
صمت الصف. قال:
— القوّةُ ما يراه الناس؛ والقدرةُ ما لا يرونه. المتنمّر قويٌّ في عيونكم، لكنه عاجزٌ عن رؤية نفسه بلا ضحيّة. أيّهما أصدق؟
شعر سليم أنّ السؤال وُجّه إليه وحده؛ لم يرفع يده، لكن شيئًا أخضرَ نبتَ في حجر قلبه.
مرّ مروان بجملته الجاهزة: «قُم يا شبح النافذة… الصفُّ ليس مقبرة». تركه سليم ومضى نحو المكتبة. هناك، وجده لأول مرّة إعلانٌ عن مسابقة قصة قصيرة. وقفت عند اللوحة فتاةٌ اسمُها ليلى. نظرتْ إليه نظرةَ شُرفةٍ لا مصيدة، وقالت بخجل:
— بتحبّ الكتابة؟
— أحاول.
— الكلمات مثل الماء: إن سُجنت عفِنت، وإن أُطلقت سقت.
وغابتْ تاركةً أثرَ ندى.
في المكتبة قرأ: «لا أحد يخرج من جرحه كما دخل.» أغلق الكتاب كأنّه قبض على سرّ. في البيت، سألتْه أمينة بابتسامة: «كيف يومك؟» قال: «عادي.» تعلّمت الأمّ أنّ بعض الأسئلة ملحٌ على الجرح.
في اليوم التالي وزّع الأستاذ موضوعًا: «احكِ عن جرحٍ لم تُسمّه بعد». كتب سليم:
«جرحي يلبس اسمي، يجلس مكاني، يضحك حين لا أضحك. يوقّع عنّي الغياب وأنا حاضر. جرحي هو أنا حين يراني الآخرون.»
ناداه الأستاذ:
— هذا نصُّ من عاش أكثر مما عاش. بتقرأ؟
— أقرأ كي لا أختفي.
— وبتكتب كي لا يختفي العالم منك. نادي كتابة كل أربعاء… إن أحببت.
أومأ.
لمح سليمُ قرب عين مروان كدمةً باهتة. انطبع المشهد. مساءً كتب في «دفتر البداية»:
«كلُّ متنمّرٍ يحرس طفلًا مربّطًا في داخله. يصرخ فلا يسمعه أحد؛ فيتعلّم أن يُسمِع صراخه عبرنا.»
قال له الأستاذ لاحقًا:
— جرّب تكتب رسالةً لظلّك. سمِّ الخوف؛ حين تُسمّيه تلبس له جاكيتًا.
ضحك سليم: — سأكتب.
وكتب:
«يا ظلّي، لن أحاربك بعد اليوم؛ لا تكبّرني في عيونهم ولا تصغّرني في عيني. رأيتُ اليوم كدمةً على ساعد خصمي؛ لعلّنا لسنا أعداء. لعلّنا أبناء بيتٍ واحد: بيت الخوف. أخافُ أنا اختفاء صورتي، ويخاف هو ظهور صورته. بين الخوفين متّسعٌ لولادة إنسان.»
نامَ على وسادةٍ ليست أطرى، لكنها أقلُّ شوكًا.
جلس ليلًا إلى دفتَره: «يا ظلّي، أريد أن نتكلّم.»
جاءه الجوابُ من عمق الصمت:
— لستُ عدوَّك؛ أنا صداك حين ترتجف، وأنا المرآةُ التي لم تكتمل.
— أثقلتني. سبقتَ وجهي إلى المرآة.
— أنا لم أقل شيئًا؛ هم الذين قالوا. أنت فتحتَ الباب للألم، وسكنتُك لأذكّرك أنك حيّ: الذي لا يجرح لا يشعر، والذي لا يشعر لا يحيا.
— وهل لمروان ظلٌّ مثلك؟
— لكلّ إنسان ظلّ. من يهرب منه يسقط على الآخرين. كان يصفعك ليصفع خوفه.
كتب سليم:
— فلنوقّع هدنةً إذن. نخرج معًا إلى النور.
— النور لا يُلغي الظل، بل يجعله جزءًا من الصورة.
أطفأ المصباح، ولم تغرق الغرفة. في الغد دخل الصفَّ بوجهٍ ساكن. جلست ليلى قربه:
— وين كنت مبارح؟
— في حوار مع صديق جديد… ظِلّي.
ضحكتْ ضحكةَ من يفهم المعنى.
قرأ نصَّه في نادي الكتابة. قال نادر: «هذا اعتراف… وهنا تبدأ الكتابة.» وقالت ليلى: «جرحُك معبرٌ لا قيد.»
كتب قبل النوم:
«لا أكتب لأهرب من التنمّر؛ أكتبُ لأرى ما وراءه. أريد أن أكون الوجهَ والصوت.»
دخل مروان متأخرًا، يطلق العرض المعتاد. نظر إلى سليم:
— الشبح بعده عايش! يمكن ظلّه مسنده.
رفع سليم رأسه، وقال بهدوءٍ مسموع:
— صحيح… عندي ظلّ، وإنت كمان. الفرق إنّي تصالحتُ معه… وإنت بعدك تهرب منه.
تجمّد الصفّ لحظةً. اقترب مروان مهدِّدًا:
— لا ترفع راسك عليّ.
— ما رفعتُه عليك… رفعته عن الأرض. وفي فرق كبير.
تهشّم المشهد القديم. ارتبكت الضحكات، وتراجع مروان خطوةً—أول انسحابٍ بلا لكمة، بسطرٍ واحد.
في نادي الكتابة قرأ سليم:
«القوّة ليست في اليد التي تضرب، بل في عينٍ لا تهرب وصوتٍ يقول الحقيقة دون ارتجاف. المتنمّر لا يهزمنا؛ نحن نهزمه حين نكشف خوفه.»
قال نادر: «تحوّل.» وهمست ليلى: «الانقلاب بداية فصلٍ جديد.»
على العشاء قالت أمينة: «وجهك منوّر.»
— يمكن لأني صرت أشوف.
قال الأب جورج كلمةً قصيرةً دافئة: «منيح.»
كتب قبل النوم:
«من يبتسم مع ظلّه لا ينكسر.»
كان الوداعُ خلعَ جلدٍ قديم. صافح سليمُ الأستاذَ نادر فقال له:
— المعرفة أن تسأل، لا أن تحفظ. كن السؤال الذي لا جواب له.
— سأكون ظلًّا يطرح الأسئلة، لا صدى يكرّر الأصوات.
الجامعة
مدينةٌ أكبر، وجوهٌ أكثر، وضجيجٌ أعلى… وقلبٌ أهدأ. اختار الفلسفة وعلم النفس. كتب الأستاذ على اللوح:
«الحرّية أن تتحمّل مسؤوليّة ظلّك.»
شعر سليم أنّ العبارة خيطُ نسبٍ يربطه بنفسه.
صار يكتب نصوصًا أطول، وأرسل «صدى الظلّ» إلى مجلّة طلابية. طُبع اسمه لأول مرّة؛ خفقَ قلبه كولادةٍ طازجة. جاءت رسائل سرّية: «تعرّضتُ للتنمّر… كلماتك جعلتني أقلَّ خوفًا.»
عاد إلى البيت. أمينةُ خبزٌ ودموع، وجورجُ صمتٌ طيّب. قال الأب: «جارُنا جاب المجلة… ابنك صار كاتب.» ارتبك سليم: «مش متأكد…»
— اللي بيحكي الحقيقة… كاتب.
كانت اعترافًا صغيرًا بحجم غصن زيتون يخرج من حائطٍ قديم.
ليلى التحقتْ بمعهد الفنون؛ رسائلُ بينهما:
— «كلُّ جرحٍ لونٌ جديد في اللوحة.»
— «واللوحة بلا ظلّ… غير واقعيّة.»
لقاءٌ خاطف
مرَّ بسوق المدينة الكبيرة، فرأى مروان يعمل في متجر أدوات: كتفان محنيّتان وملامحُ مُرهقة. لم يتوقّف الحديثُ يومها طويلًا؛ لمحَه سليم فقط… وأدرك أنّ الزمن يربّي الظلال أيضًا.
كتب ليلًا:
«اليوم لم أكن ضحيّةً ولا خصمًا؛ كنتُ شاهدًا. التنمّر بدايةُ سؤالٍ ولادةُ ذات.»
عاد بعد سنواتٍ إلى مدينته الأولى. البوابةُ الصدِئة، الملعبُ الخالي، وصدى الجملة القديمة: «حتى المرآة لا تريد أن ترى وجهك كاملًا.» ابتسم؛ لم تعد تُوجعه، صارت درسًا مطبوعًا.
لقاءٌ مُحسوم
في مقهًى جديد، وجد مروان رجلًا في الثلاثين، شعرُه يشيب باكرًا ويدان مشقّقتان.
— سليم؟
— أنا. كيفك؟
— حجرٌ يتدحرج… وما بيوصل.
قال سليم:
— كنتَ تجرحني وظننتُك قويًّا؛ الحقيقة أنّك كنتَ خائفًا مثلي.
خفض مروان رأسه:
— أبوي كان يضربني كل يوم. كنتُ أفرّغ فيك غضبي… يمكن كنتُ أصرخ فيك لأني ما قدرت أصرخ بوجهه.
— لا أطلب اعتذارًا. أدعوك فقط أن تُصالح ظلّك. الجرح لا يختفي، لكنه يتحوّل طريقًا.
أومأ مروان كمن يفتح نافذةً لأول مرّة.
العودةُ إلى الذات
في المساء على السطح، كتب سليم:
«عدتُ إلى حيث بدأ كلُّ شيء. لم تعد المرآةُ مكسّرة؛ أنا من جمع شظاياها. لم تعد سمعتي لعنة؛ أنا من حوّلها هوية. الظلّ ليس عدوًّا ولا صديقًا؛ إنّه صدى الروح وهي تبحث عن معناها. وُلدتُ مرّتين: من رحم أمّي… ومن رحم جرحي.»
أغلق الدفتر، ورفع رأسه إلى نجومٍ قليلةٍ لكن واضحة. ابتسم.
الخاتمة: نشيدٌ للناجين
لم يكن سليم أسطورةً ولا بطلًا خارقًا؛ كان إنسانًا جُرح، فتعلّم أن يُحوّل الجرح لغةً والمحنةَ معنى. لم يُلغِ التنمّر من العالم، لكنه ألغى خوفَه منه. لم تعد المرآةُ تكسر صورته؛ صار هو من يُصقلها.
وفي نهاية الحكاية، صار صدى ظلّه أغنيةً لا لعنة—أغنيةً تقول:
«من يواجه جرحه… يلد نفسه من جديد.»
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر