منبر العراق الحر :
شهد العراق في تاريخه الحديث بروز شخصيات علمية اختلفت طرق صعودها إلى مكانة الشأن العام، فبعضها نال اعترافه الواسع بفضل الجهد الفكري والبحثي، فيما ارتبطت شهرة البعض الآخر بالسلطة أكثر من ارتباطها بالعلم ذاته.
ويعد الدكتور علي الوردي مثالا بارزاً على من صنع مكانته العلمية وحده. فقد كرس حياته لدراسة المجتمع العراقي وكتب مؤلفات جريئة مثل وعاظ السلاطين ولمحات اجتماعية من تاريخ العراق وغيرها، وفيها تبنى منهجا نقديا عميقا للبنية الاجتماعية وللخطاب الديني والسياسي، ولم يكن قريبا من السلطة بل اصطدم بها غير مرة، فتعرض للتهميش أحياناً.
ومع ذلك ظل فكره حيا في الذاكرة العراقية والعربية لأنه بني على الاجتهاد والنزاهة العلمية. في حين ظهر اسم الدكتور محمد الراوي الذي عيّن رئيسا لجامعة بغداد في زمن النظام السابق. ورغم مكانته المرموقة كطبيب قلب، فإن شهرته الأكاديمية ارتبطت أساسا بالمنصب الذي حصل عليه بفضل قربه من السلطة أكثر من إنجاز علمي متفرد، ولهذا ارتبط ذكره بمرحلة سياسية محددة وتراجع تأثيره العلمي بعد زوالها. هاتان الشخصيتان تكشفان الفرق بين من يصعد بالعلم ومن يصعد بالسلطة، الأول يظل أثره ممتدا وراسخا عبر الأجيال، أما الثاني فإن مكانته تبقى رهينة اللحظة السياسية وتزول بزوالها.
ومن هنا يمكن القول إن السلطة قد تمنح الألقاب والمناصب، لكنها لا تصنع علما أو مفكرا خالداً، بينما العلم الصادق، كما عند عالم الاجتماع العراقي علي الوردي الذي فرض نفسه بالرغم من انه واجه التهميش أو التضييق.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر