قصيدتان…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

وجع السماء في رحيل الزهراء
يا سيدتي…
أيتها السحابةُ التي ظلّلتْ قلبَ محمّد
يا آخرُ ما تبقّى من دفءِ النبوّة
حين كانت الأرضُ تتعلّم معنى الرحمة
من خطواتِك الهادئة
يا امرأةً كانت إذا مشت
تفتحُ الملائكةُ الطرقَ لها
وتنحني الجدرانُ خجلاً
من نقاءِ نظرتِها
كيف أستقبلُ رحيلكِ
والليلُ بعدكِ
صار أكثرَ وحشة
وأكثرَ ثقلاً
وأكثرَ قسوةً على القلوبِ
التي لم تتعلم العيشَ بغير ظلّك ؟
كيف أشرحُ للريح
أنكِ رحلتِ…
وأن البيتَ الذي كنتِ فيه
ما عاد بيتاً
بل صار تاريخاً يتذكّرُ وجعكِ
ويتذكّرُ يدَكِ
وهي تُمسِكُ الألم
وتخبّئه وراء ابتسامةٍ
كي لا يحزنَ الحسنُ والحسين ؟
يا سيدتي…
يا انفطارَ قلبٍ
لم يُروِهِ ماءُ الدنيا
يا نهرَ دمعٍ
ظلّ يجري في ذاكرةِ الأجيال
منذ أن أغلقتِ عينيك
على آخرِ ما تبقى من نورِ الصبر
أيتها الطاهرة
يا مَن صارت وصيتُكِ
جرحاً يسكنُ المدينة
وصمتاً يقفُ عند بابكِ
ينتظرُ أن يعودَ صوتُكِ
ليملأ أروقةَ الأيام
كم يشبهُ رحيلُكِ
غروباً مفاجئاً
يغادرُ دون أن يمنحَ العيونَ
فرصةَ الاعتياد
ودون أن يتركَ للقلوب
وقتاً لتتصالحَ مع الفقد
يا سيدتي…
يا يدًا كانت إذا رفعتها للسماء
استحى القدرُ أن لا يستجيب
يا قلباً لو انشطرَ
لأضاءت أنصافُهُ
أركانَ الأرضِ الأربع
أخبريني…
كيف استطعتِ أن تتحمّلي كلَّ ما جرى ؟
كيف استوعبتِ ذاك الألم
الذي لو نزلَ على جبلٍ
لتصدّع ؟
وكيف خبأتِ وجعكِ
عن عينَي أبي الحسن
كي لا تزيدي جرحه ؟
يا سيدتي…
حتى الترابُ
الذي غطّى جسدكِ بكى
والليلُ الذي استقبل رحيلكِ
انخفضتْ نجومُه
كأنها ترفضُ
أن تُضيءَ في غيابك
يا من كنتِ لحظةَ رحيلكِ
أشدَّ حضوراً
وأقربَ إلى أرواحِنا
من كلِّ ما نراه
يا من صار اسمُكِ
نبوءةَ حزنٍ
تسكنُ كلَّ قلبٍ يعرفُ معنى الطهر
سلامٌ عليكِ…
سلامٌ يخرجُ من حنجرةٍ
تعوّدتِ البكاءَ بصمت
سلامٌ على قبركِ
الذي لا نعرف مكانه
فصار كلُّ مكانٍ مكانَك
وكلُّ أرضٍ
قابلةً لأن تكونَ ارضاً لكِ
سلامٌ عليكِ
حين كنتِ ضحكةً صغيرة
تفتحُ بابَ البيتِ على الفرح
وحين أصبحتِ أمّاً
تعطي من قلبها
ولا تأخذ شيئاً
وحين صِرتِ نوراً
يبتعد عن جسدِهِ
ليعود إلى الله
يا سيدتي…
ما أطهرَكِ !
وما أثقَلَ ذكراكِ
على قلبٍ
يعرفُ أنكِ لم تكوني امرأةً فقط
بل معنى ورمزاً
وحلماً لا ينتهي
سلامٌ عليكِ…
في الموت، وفي الحياة
وفي كلِّ ما يتذكّرُه الناس
وفي كلِّ ما لا يستطيعون نسيانَه…

رافد حميد فرج القاضي
٢٥ / ١١ / ٢٠٢٥
#ملتقى_فرج_الثقافي
#مؤسسة_ساعد_لحقوق_الانسان
#جاليري_فرج_للفنون

================================

قلب اسمه العراق

لماذا أنتَ هكذا ؟
تغفو على النهرِ كطفلٍ حزينٍ
وتصحو على الجرح والالم
كأنّك لم تعرف النومَ
منذَ الأزل
يا وطناً حين يُنادى باسمِك
يرتجفُ التاريخُ
في قلبِ القصيدة
وتنحني النخلةُ لتُخفي
دمعةَ الأرض
العراق…
لماذا تُحبُّ أبناءَكَ
أكثرَ ممّا يُحبّونكَ ؟
تُطعِمُهم من جوعِكَ
تسقيهِم من عطشِكَ
تغفرُ كلَّ خطاياهم…
ثمّ يعودونَ، يجرحونَ كفَّك
بالعناوينِ والغياب
أراكَ شامخًا رغمَ الانكسار
كأنّك جبلٌ من صبرٍ
وشمسٌ تُقاومُ الغروب
كم فيكَ من وجعٍ
يشبهُ القصائد
وحنينٍ يشبهُ صلاةَ الأمهاتِ عندَ الغروب
لكن…
من بين كلِّ هذا الرماد
ها أنتَ تنهضُ من اوجاعك
تُرمّمُ وجهَكَ بالنورِ
وتزرعُ في الطينِ قمحَ الحياة
العراق…
يا مهدَ الحضاراتِ القديمة
يا وطنَ الشعراءِ والأنبياءِ
ما زلتَ تنزفُ حبًّا
وتُولدُ من رمادِكَ ألفَ مرة
ها أنتَ الآنَ تُعيدُ بناءَ نفسِكَ
مدنُك تفتحُ عيونَها
على صباحٍ جديد
وشبابُك يحملونَ الحلمَ
على أكتافِهم
كرايةٍ لا تسقط
العراق….
منكَ بدأ التاريخ
وفيكَ تُكتبُ فصولُ
النهضةِ القادمة
سنغسلُ جراحَكَ بالعلم
ونُرمّمُك بالوعيِ والوفاءِ
وسنقولُ للعالمِ كلِّه :
ها هو العراق…
يقفُ من جديد
ويبتسمُ في وجهِ الغدّ
لماذا أنتَ كلُّ هذا الحزنِ
وكلُّ هذا المجدِ معًا ؟
لماذا تُشبهُ السماءَ حين تغيم
وتُشبهُ الشمسَ حين تصرُّ على الشروق ؟
يا عراق…
يا أيُّها الوطنُ
الذي يتنفّسُ التاريخ
ويتثاءبُ الحلمُ
على أكتافِ أنهارِه
يا طفلًا ينامُ على وجهِ الماء
وتوقظُهُ الطعناتُ
قبل أن يكتملَ الصباح
يا عراق…
لماذا كلّما حاولتَ أن ترتاح
أيقظتْكَ أصواتُ
المدنِ المكسورة
والحاراتُ التي تحفظُ
أسماءَ الشهداءِ
أكثرَ ممّا تحفظُ
ضحكاتِ الأطفال ؟
كأنّك قدّيسٌ
تعلّم الغفرانَ من وجعِك
وتعلّم الصبرَ من تاريخِك
وتعلّم الحنانَ
من أذرعِ أمهاتِك
اللواتي يشبهنَ
الوطن حين يبكي بصمت
يا عراق…
مَن في الأرضِ يشبهُك ؟
أنتَ الوطنُ الوحيدُ
الذي يُطعِمُ أبناءَهُ
وهو جائع…
ويسقيهم وهو عطشان
ويحميهم وهو جريح
ويمسحُ على رؤوسِهم
بينما يتركونَ جرحًا جديدًا
على يدِه الممدودة
لكنّك لا تنحني
أراكَ واقفًا
مثلُ نخلةٍ تقفُ
على قدمٍ واحدة
وتظلُّ تُظلِّلُ أرضَها
أراكَ كجبلٍ يرفضُ أن يشيخ
وكشمسٍ تعاندُ
الموتَ كلَّ مساء.
يا عراق…
كم فيكَ من وجعٍ يشبهُ المعابدَ القديمة
وكم فيكَ من حنينٍ
يشبهُ صلاةَ الجدّات
حين يرفعنَ أيديهنَّ للسماء
ويقلنَ: “اللهمّ احفظه”
ورغمَ كلِّ هذا الرماد… تنهض.
تقومُ من بين الحطام
كما لو أنَّ القيامةَ
تبدأُ من ضفافِكَ
وتجمعُ شظاياكَ بيديك
وتعيدُ رسمَ وجهِك بالنور
وتزرعُ في الطينِ قمحًا
وفي الخرابِ مدينة
وفي اليأسِ نافذةً
تُطلُّ على الغد
يا عراق…
يا بيتَ الأنبياءِ
وساحةَ الجنائنِ المعلّقة
يا مدرسةَ الكونِ الأولى
يا معجمَ الشعراء
وكتابَ الحضارةِ المفتوح
أراكَ اليومَ
تمسحُ دمعتكَ
وتستعدُّ لجولةٍ
جديدة مع الحياة
مدنُك تفتحُ عيونَها
بعد نومٍ طويل
وجسورُك تمشي على الماء
وكأنها تتدرّبُ
على معانقة المستقبل.
أرى شبابَك
أولئك الذين يشبهونَ شراراتِ الفجر
يحملونَ الوطن
على ظهورِهم
كرحلةٍ مقدّسة
لا يتخلّون عنها
ولا يتركونَ رايتَها تسقط
يا عراق…
منك بدأ التاريخ
وفيك ستولدُ النهضة
وعلى ضفافِك
سيجلسُ العالمُ يومًا
ليتعلّم كيف ينهضُ وطنٌ
من بين الحزن
ويحوّلُ الدمعةَ إلى نصر
والوجعَ إلى مجد
والخرابَ إلى قصيدة
سنغسلُ جراحَك بالعلم
نبنيك بالمعرفة
ننهضُ بك بالوعيِ والوفاءِ
نردُّ الدينَ لأرضٍ
أعطتْ أكثرَ مما أخذت
وسنقولُ غير خائفين
ولا مترددين…
ها هو العراق…
يقف من جديد
يرفعُ رأسَه إلى السماءِ
ويبتسمُ في وجهِ الغدِّ
ابتسامةَ من يعرفُ
أن قدرَهُ النهوض
مهما مر عليه حزن
د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد