ألف خطوة للمشي وألف فرصة للنجاة…د.رافد القاضي

منبر العراق الحر :

في تلك البقعة التي شهدت هتاف ملايين العراقيين وفي المكان الذي كان يوماً ساحة للغضب، وساحة للمطالبة بالعدالة ارتفعت اليوم مبادرة تحمل لوناً آخر… لون الحياة.
وفي ساحة التحرير، ووسط زحام السيارات وخطوات المارة، تقف الغرفة الزجاجية، لا ككتلة من الزجاج، بل كمساحة شفافة تُعرّي وجع العراقي وتكشف كم يحتاج هذا الوطن إلى مبادرات تُعيد ترتيب معنى الإنسانية فيه.
وهذه الغرفة لم تُنصب ليكون شكلها جميلاً بل لتكون رسالتها عظيمة : جمع التبرعات لشراء ألف كرسي كهربائي لأصحاب الإعاقة وألف جرعة لمرضى السرطان.
وألف كرسي يعني ألف فرصة للعودة إلى الحياة… وألف جرعة تعني ألف نفس تُسحب من فم الموت، ألف بيت يمكن أن يعود إليه الفرح، وألف مريض يستعيد أملاً كان يتلاشى يوماً بعد يوم.
وكل كرسي كهربائي هو حياة كاملة تعود وكل جرعة علاج هي معركة تُكسب لصالح إنسان يقف على حافة اليأس.
والكرسي يمنح الحركة والجرعة تمنح الحياة… وكلاهما يمنحان الكرامة.
والغرفة الزجاجية تقف وسط الساحة وتقول :
“نحن نطلب منكم شيئاً لا يُهدى… بل يُمنح الرحمة التي جعلت العراقيين—رغم جراحهم الكثيرة—يقفون بقلوبهم قبل جيوبهم لدعم هذه المبادرة.
والزجاج الشفاف ليس مجرد مادة؛ إنه إعلان بأن هذه المبادرة نظيفة، صادقة، لا تسعى لمكسب أو مصلحة بل تسعى لأن يتحرك ألف إنسان نحو حياتهم من جديد، وأن يتشبث ألف مريض بفرصتهم في النجاة.
وعندما تقترب من الغرفة فترى المتطوعين، شباباً وشابات يقفون ساعات طويلة وجوههم تحمل شيئاً يشبه الإصرار على أن الخير يجب أن ينتصر مهما طال الانتظار.
وعندما تفتح دفاترهم، فتجد قوائم من الألم والرجاءو: أسماء أطفال ينتظرون جرعاتهم وشباب ينتظرون كراسيهم وأمهات يكتبن رسائل من قلب مكسور، وآباء أثقلهم المرض والعوز والناس يدخلون…
ومنهم من يقدم مبلغاً كبيراً ومنهم من يضع ورقة نقدية صغيرة، لكنها كبيرة بقيمتها لأنها خرجت من قلب يعرف معنى العطاء.
وآخرون يكتفون بكلمة : “جزاكم الله خيراً”… وهذه كلمة وحدها تُضيء الطريق.
المبادرة ضخمة :

ألف كرسي… وألف جرعة.
ولكنها ليست مستحيلة، لأن العراقي الذي يستطيع أن يغيّر حياة شخص واحد… يستطيع أن يغيّر ألف حياة.
وكرسي واحد يعني أن طفلاً معاقاً يذهب إلى مدرسته بكرامة.
وجرعة واحدة تعني أن مريض سرطان يعود لبيته لا على نقالة، بل على قدميه.
وكرسي يعيد الحركة… وجرعة تعيد الأمل…
وساحة التحرير، التي عرفت الدموع والصراخ والدم تشهد اليوم مشهداً مختلفاً : ومشهد قلوب تتبرع، وضمائر تستيقظ، وأناس يعيدون للمدينة وجهها الإنساني الذي ضاع طويلاً بين ضجيج السياسة وفوضى الأيام.
وهذه المبادرة ليست مشروعاً خيرياً فقط؛ إنها مشروع وطني، لأن الأمم تُبنى بإنسانها قبل بناياتها وبأضعف أفرادها قبل أقواهم.
وعندما تكتمل هذه المبادرة ويجلس ألف شخص على كراسيهم الكهربائية، ويتلقى ألف مريض جرعتهم التي تعيدهم للحياة سيكون ذلك اليوم واحداً من الأيام التي تستحق أن تُكتب في ذاكرة بغداد…
اليوم الذي قرر فيه الناس أن يكتبوا الخير بأنفسهم، وأن يصنعوا حياة جديدة لألفي روح، وأن يقولوا :
“نحن هنا… ولن نترك المحتاج وحده.”

اترك رد