منبر العراق الحر :
الأخلاق، كما نعلم، شيء غير معياري ونسبي في واقعنا الاجتماعي. على الأقل هذا ما يمكن لجميعنا ملاحظته عند ملاحظة الأحكام الأخلاقية حول فعل معيّن في أماكن وثقافات متعددة.
لذا فإنّ الأخلاق ليست بريئة؛ فهي، حتى وإن كانت قواعد اجتماعية صارمة في أماكن عدّة، تبقى غير معيارية، وجزء كبير منها يحدّده واقع المجتمع ونفسيته مهما كانت هذه النفسية. هذا ما يجعل الأخلاق تقع بالضرورة في الازدواجية، لأنّها لا تمتلك معيارًا يعصمها من الوقوع تحت تأثير المعايير النفسية للمجتمعات. على سبيل المثال، في المجتمعات الغربية نجد الدفاع الذي لا مثيل له عن حرية المرأة في لبس ما تريد من ثياب، فمن غير الإنساني أن نسلب المرأة حريتها بارتداء ما تريد. ليكن هذا هو الأساس الذي نعتمد عليه. في نفس المكان نجد عدم الرضا عن لبس المرأة النقاب، وإن لبسته بكل حرية منها وبقناعة منها. وهذه ازدواجية، لأنّ هناك نوعًا معينًا من اللباس تُقال إن الحرية فيه مطلقة، فإن خالفه لباس آخر خرج من نطاق الحرية، رغم أنّهما الشيء نفسه لكن بصورتين مختلفتين.
أو مثل المجموعات التي ترى أنّ في تربية القطط أمرًا إنسانيًا جدًا بغض النظر عن ذلك، وهي ترفض أذية هذا الحيوان بأي طريقة كانت، لكنها لا تمانع رؤية حيوان معيّن على مائدة الطعام، رغم أن كليهما حيوان. ونقع في هذه الازدواجية لأنّ الأخلاق ليست معيارية مطلقة في واقعنا الاجتماعي.
وحتى المصدر المطلق للأخلاق، مهما كان مثل الأديان، غير قادر على وضع أخلاق كاملة معيارية لا تقع في هذه الازدواجية، لأنّها لا يمكن أن تغطي جميع المسائل الأخلاقية. ولا حتى الفلسفات المطلقة للأخلاق ستكون عملية مطلقًا لعدم تماشيها مع نفسية المجتمعات، التي هي الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق. فالمجتمع هو المستفيد من الأخلاق، وهو المحدد لمعاييرها حسب أوضاعه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر