«إنزال أميركي بلا شاطئ»..حين تتحول الخزانة الأميركية إلى جبهة حرب ضد إيران..الفريق الركن صباح نوري العجيلي

منبر العراق الحر :

لم يعد «الإنزال الأميركي» يحتاج دائماً إلى شاطئ، ولا إلى جنود يهبطون من سفن حربية. في المواجهة مع إيران، فتحت واشنطن جبهة من نوع آخر: إنزال مالي يستهدف قدرة الدولة على البقاء أكثر مما يستهدف قطعة أرض يمكن احتلالها. فبعد مرحلة كان مركز ثقلها الطائرات والصواريخ والقوة البحرية، انتقلت المعركة إلى المصارف، وشركات الشحن، والتأمين، ومشتري النفط، وشبكات التحويل، وكل حلقة تفصل المورد الإيراني عن تحوله إلى مال وقوة.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اختار للمشهد اسماً مثقلاً بالذاكرة العسكرية الأميركية: «Economic D-Day»؛ يوم الإنزال الاقتصادي، وقال: «مع بزوغ الفجر يبدأ يوم الإنزال الاقتصادي»، واصفاً إياه بأنه أكبر هجوم مالي جرى حشده ضد خصم. فالـD-Day في الذاكرة الأميركية هو يوم إنزال نورماندي في 6 حزيران / يونيو 1944، لحظة فتح جبهة غربية كبرى غيّرت مسار الحرب العالمية الثانية؛ ولذلك فإن استعارة بيسنت له اقتصادياً ليست زينة بلاغية، بل إعلان عن فتح جبهة يُراد لها أن تكون حاسمة، على أن تبدأ إجراءاتها الجديدة يوم الاثنين.

لكن الإنزال هذه المرة لا يبحث عن شاطئ إيراني؛ إنه يبحث عن الشريان الذي يحوّل المورد إلى قدرة، والقدرة إلى بقاء. فالخنق الاقتصادي لا يعني منع إيران من استخراج النفط، بل منعها من تحويل النفط إلى ناقلة، والناقلة إلى صفقة، والصفقة إلى مال، والمال إلى قدرة تمول الدولة وبرامجها العسكرية وشبكاتها الإقليمية. هنا تتحول الخزانة الأميركية من مؤسسة مالية إلى جزء من ميدان الحرب، ويصبح الهدف الحقيقي قطع المسافة بين ما تملكه إيران وما تستطيع استخدامه.

والنقلة الأشد خطورة أن العقوبات لم تعد تستهدف الخصم وحده، بل الطرف الثالث الذي يساعده على التنفس. فقد حذر ترامب من عواقب اقتصادية تطال الدول التي توفر لإيران شريان حياة، فيما استهدفت واشنطن قنوات النفط والتحويلات وشركات الواجهة وسجلات السفن وغيرها من آليات الالتفاف. وهكذا يصبح الدولار أكثر من عملة؛ يصبح حداً سياسياً غير مرئي بين من يستطيع الوصول إلى النظام المالي العالمي ومن يخاطر بكلفة الابتعاد عنه.

لكن إيران تمتلك شيئاً لا تستطيع وزارة الخزانة تجميده في حساب مصرفي: الجغرافيا. اسمها مضيق هرمز. فبينما تضغط واشنطن على المال الإيراني، تستطيع طهران رفع كلفة مرور طاقة الآخرين، وقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق إلى مستويات استثنائية، إذ لم تعبر خلال عطلة نهاية الأسبوع سوى أعداد محدودة جداً من السفن. هنا تتواجه قوتان من طبيعتين مختلفتين: أميركا تحاصر إيران بالنظام المالي، وإيران تضغط على النظام الاقتصادي بالجغرافيا؛ ولذلك لم يعد هرمز مجرد ممر بحري، بل أصبح المقابل الجغرافي للعقوبات المالية.

وهنا تظهر مفارقة «هندسة الاختناق». فإذا قبل الحرس الثوري بالاختناق بصمت، فإنه يسمح للزمن الاقتصادي أن يعمل على النظام من الداخل؛ وإذا حاول كسر الطوق بالقوة، فإنه يعيد إشعال الحرب التي يريد تجنب كلفتها المباشرة. ولهذا فإن تهديد طهران برفع كلفة الحصار على المصالح الأميركية والحليفة، أو على الملاحة ومنشآت الطاقة، لا يمكن فصله عن هذه المعضلة. رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي ذهب إلى اعتبار دعم العقوبات الجديدة «عملاً حربياً»، وهدد برد واسع إذا تصاعد الضغط. كلما اقترب الخنق من تهديد القدرة على البقاء، ازداد الحافز لمحاولة كسره.

والعراق يقع في قلب هذا الارتداد على مستويين معاً. اقتصادياً، بسبب تشابكه مع إيران في الطاقة والتجارة والحدود والتحويلات؛ وأمنياً، لأن وجود فصائل مسلحة مرتبطة بدرجات مختلفة بطهران يمنح إيران مساحة ضغط غير مباشرة إذا تحول الخنق الاقتصادي إلى تهديد وجودي للنظام. ولذلك قد يصبح العراق، في لحظة التصعيد، ليس مجرد منفذ اقتصادي تريد واشنطن منع تحوله إلى ثغرة في الحصار، بل إحدى الساحات التي يُختبر فيها قرار الحرس الثوري: هل يحتمل الاختناق أم يرفع كلفته على المصالح الأميركية وحلفائها؟ وتشير بيانات التجارة إلى أن العراق ما زال من الشركاء الاقتصاديين المهمين لإيران، بما يجعل أثر أي عقوبات ثانوية عليه مباشراً.

أما الإمارات فتمثل وجهاً آخر للمشكلة. فهي ليست مجرد جار لإيران، بل كانت دبي تحديداً واحدة من أهم نوافذ التجارة وإعادة التصدير والتمويل الإيراني. لذلك فإن قرار أبوظبي تعليق جميع المبادلات الاقتصادية والمالية مع طهران إلى أجل غير مسمى لا يمثل موقفاً دبلوماسياً فقط، بل إغلاقاً لرئة تجارية مهمة؛ وفي الوقت نفسه يضع الإمارات أمام ارتدادات على الشحن والطاقة ومكانتها كمركز مالي ولوجستي عالمي.

العراق والإمارات، بهذا المعنى، يقيسان ارتداد العزل على الجوار؛ أما الصين وروسيا فتقيسان قدرة العزل على أن يصبح عالمياً. الصين هي الامتحان الأثقل لأنها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وقد بنت خلال سنوات منظومة تكرير وتسوية باليوان ووسطاء أقل تعرضاً للنظام المالي الأميركي. فإذا أغلقت واشنطن المنافذ الإقليمية وطاردت الناقلات وشركات الواجهة، لكنها لم تستطع تقليص القناة الصينية، فإنها تكون قد حققت اختناقاً شديداً لا عزلاً كاملاً.

روسيا مختلفة؛ فهي ليست سوق النفط الصينية، لكنها تستطيع أن تكون مساحة تعويض في التكنولوجيا والتمويل والمقايضة والتعاون العسكري. ومن هنا تتسع المفارقة: كلما استخدمت الولايات المتحدة مركزية نظامها المالي كسلاح أكثر فاعلية، منحت موسكو وبكين وغيرهما حافزاً أكبر لبناء مسارات أقل تعرضاً له. السلاح المالي الأميركي يثبت قوته كلما استُخدم، لكنه في الوقت نفسه يشرح لخصومه لماذا يريدون مستقبلاً يقل اعتمادهم عليه.

ولهذا فإن «الإنزال الأميركي بلا شاطئ» ليس حرباً على النفط وحده، ولا على المصارف وحدها، ولا على هرمز وحده. إنه محاولة لشل السلسلة التي تحول المورد إلى حركة، والحركة إلى مال، والمال إلى قدرة، والقدرة إلى بقاء. وفي المقابل تراهن طهران على أن هرمز، والأذرع الإقليمية، وارتفاع كلفة الطاقة والملاحة، ستجعل استمرار العزل أكثر إيلاماً لخصومها من الوصول إلى تسوية.

المعركة المقبلة إذن ليست فقط على من يمتلك القوة الأكبر، بل على من يستطيع تحويل قوته إلى زمن أطول. واشنطن تراهن على أن الاقتصاد الإيراني سيئن أولاً؛ وطهران تراهن على أن الجغرافيا والارتدادات الإقليمية ستجعل خصومها يئنون قبلها.

فالإنزال هذه المرة لا يريد احتلال أرض إيرانية؛ إنه يريد احتلال المسافة بين ما تملكه إيران وما تستطيع استخدامه.

وهناك، بين هرمز والدولار، وبين الاقتصاد والأذرع، قد تُحسم المرحلة المقبلة من الحرب.

 

24 آب / أغسطس 2026

 

 

 

اترك رد