منبر العراق الحر :أشعلت السلطات الإيرانية أزمة مع كل من رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني وزعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، بسبب استخدام الأول مسمى “الخليج العربي” خلال افتتاح بطولة كأس الخليج “خليجي 25” في البصرة في السادس من الشهر الجاري، وبسبب استخدام الثاني المسمى نفسه في تغريدة له نشرت في المناسبة عينها. مرد الأزمة التي أشعلتها إيران على مختلف المستويات، من “الحرس الثوري” المتحكم الأساس بمفاصل السلطة، إلى الحكومة التي قال المتحدث الرسمي باسم وزارة خارجيتها إن بلاده ستتخذ “إجراءات لازمة بخصوص واقعة استخدام تسمية الخليج العربي من قبل العراق”، إلى أن طهران اليوم في ظل الجمهورية الإسلامية هي نفسها طهران الأمس في ظل حكم الشاه.
فعندما يتعلق الأمر بالشأن القومي الداخلي والسردية التاريخية التي تجمع العنصر الفارسي في إيران، تكون ردود الفعل على أي موضوع يتعلق بالمسألة متشابهاً. فأمر وسم الخليج بالفارسي لا يختلف حوله اثنان، أقله ضمن المكوّن الفارسي لإيران. ولكن إيران ليست فارسية صرفة، وهي مكوّنة من مجموعة إثنيات مهمة ووازنة، أقله على الصعيد الديموغرافي، تمتد من الكرد والآذريين شمالاً، إلى العرب والبلوش جنوباً وغيرهم من الإثنيات الأقل وزناً، لكن يبقى العنصر الفارسي مهيمناً على السلطة الفعلية.
قضية تسمية الخليج خلافية منذ زمن بعيد. الإيرانيون يعتبرونه فارسياً، فيما جيرانهم في الشاطئ المقابل يعتبرونه عربياً. لكن وحدهم الإيرانيون يخلقون أزمة من التسمية، فيما عرب الخليج يكتفون باعتماد التسمية التي يعتبرونها صحيحة من دون إثارة خلافات أو نزاعات لا طائل منها. لكن الإيرانيين يضخّمون القضية، معتبرين أنها مساس بسيادتهم الوطنية أو بأرضهم المعترف بها دولياً. وقد تكون إثارة القضية إثر استخدام رئيس الحكومة الشيعي العراقي مسمى “الخليج العربي” سببها أن إيران ما كانت تتوقع أن يستخدم السوداني المسمى المستخدم من جميع الدول العربية، وهو الآتي من صفوف تكتل “الإطار التنسيقي” الذي تأتمر أحزابه بقرار “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري” الإيراني، لا سيما أن طهران تمكنت في الصيف الماضي مع ميليشياتها المنضوية في “الإطار التنسيقي” من ربح معركة سياسية أمنية ضد “التيار الصدري” بقيادة مقتدى الصدر، وحسمت الصراع لمصلحة قيام حكومة من لون واحد شيعي، وبمباركة ضمنية من مرجعية النجف التي كشفت الصدر وأسهمت في إخراجه من المعادلة.
ولعل مسارعة الصدر إلى استخدام المسمى عينه في تغريدة في المناسبة عينها أجّجت مشاعر الغضب في طهران ضد من يعتبرونه اليوم “شيعياً عاقاً” خرج عن طاعة قم والوصاية الإيرانية على العراق، لا سيما على شيعة العراق. ومن المهم التذكير بأن موقف العرب من قضية تسمية الخليج لا يشوبه التوتر، من منطلق أن كل طرف يمكنه تقديم قراءته التاريخية للخليج وتسميته كما يشاء. فمن ذا الذي يعترض على تسمية طهران أو غيرها للخليج بالفارسي؟ بالتأكيد ليس العرب، مع أن الشعوب المقيمة على ضفتي الخليج هي من الإثنية العربية. والأحوازيون هم عرب مهما فعل النظام الإيراني لنفي تلك الحقيقة. وكانت إمارة الأحواز إمارة عربية مستقلة عن الدولة القاجارية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ولا يزال أبناء منطقة الأحواز الذين يسكنون الإقليم على الضفة الإيرانية راهناً عرباً، ويعتبرون أنفسهم عرباً أصيلين، وينقسمون بين من يعتبرون أنفسهم عرباً في إيران متعددة الإثنيات، ومن يعتبرون أنهم يعيشون تحت احتلال فارسي. ولم تفلح أيديولوجيا النظام الإيراني خلال أكثر من أربعة عقود في إغراق قضية الانتماء العربي في الأحواز في الأدبيات الدينية التي تستخدم كإطار أيديولوجي لنظام الدكتاتورية التي تستند إلى تحالف المؤسستين الدينية والعسكرية في البلاد، وهي تفرض حرماً قامعاً على حقوق المجموعات الإثنية غير الفارسية، مع أنها تقدم نفسها في الإقليم نصيرة لحقوق ما يسمى “المستضعفين”.
لقد ثارت ثائرة طهران على مسمى “الخليج العربي”، فيما كان الأحرى أن تتقبل حرية الآخرين في استخدام المسمى الذي يرونه مناسباً. إنه خليج عربي بالنسبة إلينا وفارسي بالنسبة إليهم. ونقول لا داعي لكل هذه الجلبة حول موضوع لن يحل لا اليوم ولا غداً. أما العراق فهو قطعاً ليس فارسياً.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر