منبر العراق الحر :
يارسول الله…
اهتدينا بك…
كمن يلمح الله
في خفقات القلب
بعيدًا عن صدى الكلمات
وزحمة الأصوات…
زرعت المعنى دون الحروف
والجوهر دون الكلمات
زرعت النور قطرةً قطرة
في أعماق القلوب…
تكشف ما وراء الحروف
تعلّمنا أن الأنكشافات
لا تأتي في وهج المعنى
بل في الرقة يؤسر القلب
ويُغرس النور…
لم تكن المعجزة…
أن تُخاطَب السماء
المعجزة أن تعود منها
وقلبك يتكسّر على ضعفنا
تلتقط الرحمة…
لتغفو على جفون البشر…
ترى في عيونهم الحيرة أملًا
وفي صمتهم صوتًا لم يُسمع
تمد يدك بلا شهرة ولا انتظار
وترى في ابتسامتهم
دفء الكون كله…
المعجزة ليست
في السماء…
بل في ما تحمله
من نور تضيء الطريق
لمن تاه…
وتعطي القلبً المكسور
سببًا للغفران…
تمشي والضوء
يسبقك ولا يتأخر
كأنه يسكنك…
لأنك مسكن للهداية
تقرأ القلب قبل العين
وتهمس في الصمت
قبل اللسان…
يا رسول الله…
يامعجزة الرحمة
يا آيةً تمشي…
على هيئة إنسان
علّمت الأرض…
كيف ترفع رأسها
دون تكبّر…
وكيف يكون العدل
قوةً بلا صراخ…
وكيف يكون الحبّ
نورا يسكن القلب
ويزرع الأمل…
في الأرض الجريحة…
لم تقل للناس : اتبعوني
قلت : تطهروا…
من شهوة الإيذاء
من عبادة الذات
ثم انظروا…
ستجدون الطريق
يفتح لكم…
كما يفتح الفجر السماء
حين يعلن النور
بصمت الرحمة…
وصمت الكون…
ينتظر أن يسمع صوتك…
يا نبيَّ الرحمة…
يا من جعلت
القرب من الله
خُلُقًا يُعاش في الناس
لا سيفًا يُشهر فوق الرقاب
ولا اسمًا يُرفَع
على رايات الدم…
جعلت الدعاء
نجاةً للقلوب…
ليس استعراضًا
يُتاجَر به…
ولا صوتًا يعلو
ليُخفي فراغه…
كلما قرأنا سيرتك
شعرنا أننا…
بعيدون عن أنفسنا…
لم تكن خاتم الأنبياء
لأن الوحي انتهى
بل لأن المعنى اكتمل
كل نبضٍ جديدٍ
في قلوب البشر
كان امتدادًا لك
كأن النور الذي
غرستَه في الأرض
لا يزول بل يتجدّد
كلما نهض قلبٌ
وسعى إلى الحق…
لم تغب بل صرت قدوةً
وكل إنسانٍ يقترب
من الحق يقترب منك…
السلام عليك…
حين ضاقت بك الأرض
فاتّسعت… بك السماء
السلام عليك…
حين ضاقت بنا السماء
فاتّسعت… بقلوبنا…
السلام عليك…
ما بقي في هذا العالم
من يبحث عن الله…
في الرحمة لا في القسوة
في الحب لا في الغلبة
في الصبر لا في الغضب
في الصمت لا في الصراخ
كنت وحدك…
وكانت ضدك أمةٌ كاملة
لكنّك لم تكن ضد أحد
كنت مع الإنسان…
أينما كان…
عطاء بلا حساب
وغفران بلا قيد…
وإرشاد القلوب نحو الله
ليس بالقوة… بل بالقلب
ليس بالخوف… بل بالإلهام
كل كلمة منك نور
وكل صمت بلاغة
وكل خطوة شهادة
وكل ابتسامة معجزة…
يا رسول الله…
حملت الوحي ولم تتعالَ
وسمعت السماء وبقيت
قريبًا من التراب…
قريبًا من دمعة اليتيم
ومن وجع العباد
ومن خوف طفل…
لقد علمتنا أن النبوة
ليست لقبًا…
بل حياةً تمشي بين الناس
وتحبهم رغم كل شيء…
درسٌ عميق…
نبوتك علمٌ لا ينضب
أن الله قريب من القلوب
والرحمة أعلى من الحكم
وأن «ما بعد القول»
هو المكان الحقيقي للبلاغة
حيث يستمر النور
في الصمت…
الرحمة لا تتوقف
عند حدود الكلمات
والإنسان يلتقي
بالمعنى قبل أن
يلتقي بالسماء…
نحن اليوم نحمل
في قلوبنا بصيصك
نسعى لننشر نورك
بين البشر…
نزرع الرحمة…
حيث القسوة تنبت
نفتح قلوبنا…
حيث الأبواب مغلقة
نحمل الأمل…
حيث اليأس يستوطن…
يا رسول الله…
يا معجزة الرحمة..
كل كلمة منك صارت نبراسًا
وكل صمتٍ منك درسًا
وكل خطوةٍ منك
طريقًا يُستضاء به…
نحيا بمعناك…
ونزرع في الأرض
كما علمتنا…
باللطف والعدل والحب
ونكون رحماء…
كما كنت رحمًا…
ونترك بصمتك…
في كل قلبٍ يطلب الله…
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر