منبر العراق الحر :
اليوم ، يدخل العراق محطة جديدة في مسيرة حياته السياسية، مع انطلاق أولى جلسات البرلمان الجديد بدورته النيابية السادسة وهذه الجلسة، التي تتسم بالبساطة الشكلية في جدول أعمالها، إلا أنها تحمل في طياتها رمزية سياسية ودستورية بالغة الأهمية حيث ستكون أول مرة يجلس النواب المنتخبون على مقاعدهم، يؤدون اليمين الدستورية، ويشرعون في انتخاب هيئة رئاسة المجلس، المكونة من الرئيس والنائبين الأول والثاني.
قد تبدو هذه الجلسة تقليدية للوهلة الأولى لكنها في الحقيقة محطة اختبار لقدرة النظام السياسي العراقي على التجدد واستعادة ثقة المواطنين، وتجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية التي لطالما شكلت عبئًا على العملية السياسية منذ 2003.
_أداء اليمين الدستورية : أكثر من مجرد إجراء شكلي.
يبدأ البرلمان جلسته برعاية أكبر الأعضاء سنًّا، وفقًا للأحكام الدستورية، لتأدية اليمين الدستورية أمام المجلس وهذه اللحظة ليست مجرد رمزيات بروتوكولية بل إعلان واضح بأن كل نائب قد التزم بالدستور والقانون وأنه أصبح جزءًا من آلة تشريعية مسؤولة عن بناء الدولة وحماية حقوق المواطنين في أداء اليمين يلتزم النواب بمبدأ أساسي العمل لأجل العراق وشعبه قبل مصالح الكتل أو الأحزاب وهي لحظة يجب أن تؤكد أن البرلمان الجديد رغم كل الانقسامات والتحالفات، بإمكانه أن يبدأ عهدًا جديدًا من المساءلة والمحاسبة والرقابة على السلطة التنفيذية.
لكن الحقيقة المؤلمة أن أداء اليمين الدستورية وحده رغم أهميته، لا يضمن خروج البرلمان عن أزمات الماضي ولا يعكس بالضرورة مستوى النضج السياسي لدى القوى السياسية، التي قد تبقى أسيرة التحالفات الضيقة والمصالح الحزبية لذا تصبح النية السياسية والتوافق الوطني حجر الأساس في نجاح هذه الجلسة، وليس مجرد الأداء الشكلاني للمواد الدستورية.
_انتخاب رئيس المجلس ونائبيه : اختبار حقيقي للتوافق السياسي.
البند الثاني، والأكثر حساسية، هو انتخاب الرئيس والنائبين الأول والثاني وهذه الخطوة ليست مجرد ترتيب إداري، بل تحديد القيادة التي ستقود البرلمان خلال السنوات الأربع المقبلة، وهي ذات تأثير مباشر على الاستحقاقات الدستورية والسياسية القادمة، بما في ذلك انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة.
في هذا السياق، تكمن التحديات في أن القوى السياسية الرئيسية، من الشيعة والسنة والأكراد، لم تصل بعد إلى توافق كامل على مرشحيها فالكتل السنية، على سبيل المثال، لم تحسم بعد مرشحها لرئاسة المجلس، بينما تواصل التحالفات الشيعية البحث عن التوازن الأمثل بين الأطراف المختلفة لضمان ألا يهيمن طرف على السلطة التشريعية ويضيف هذا الاختبار السياسي أبعادًا أكبر، إذ إن النجاح في انتخاب هيئة رئاسة متوافقة سيُشكل رسالة إيجابية للعراقيين، مفادها أن البرلمان قادر على تجاوز الخلافات الأولية والعمل بروح الشراكة الوطنية بينما الفشل أو التأجيل سيكون بمثابة إشارة تحذير إلى استمرار الجمود والانقسام، وربما التدهور في أداء المؤسسات الأخرى.
_التوازنات الطائفية والتحالفات السياسية.
البرلمان العراقي الجديد، كما كل برلمان سابق، يخضع لديناميكيات التحالفات الطائفية والسياسية وتحالفات الشيعة الكبرى تحاول تثبيت حضورها، بينما الأحزاب السنية تسعى لضمان حقوقها التقليدية في رئاسة المجلس والأكراد يطالبون بحصة عادلة في المناصب القيادية وهذه التوازنات، وإن بدت دقيقة على الورق، إلا أنها تحمل تداعيات عملية عميقة على قدرة البرلمان على التشريع واتخاذ القرارات الوطنية.
فشل التوافق قد يؤدي إلى تأجيل انتخاب الرئيس، ما يفتح الباب أمام أزمة دستورية وسياسية جديدة تؤثر على تشكيل الحكومة المقبلة، وعلى قدرة البرلمان على ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية، وعلى مسار الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظرها البلاد.
_الاستحقاق الأول كبوصلة مستقبلية.
إن أولى جلسات البرلمان ليست مجرد مراسم افتتاحية بل هي مرآة للقدرة على التوافق الوطني واختبار لمصداقية القوى السياسية أمام الناخبين وأداء اليمين الدستورية هو البداية، لكنه لن ينجح إلا إذا تلاه اختيار قيادة برلمانية تتسم بالكفاءة والحياد والقدرة على التوسط بين الأطراف المختلفة وبينما يراقب المواطنون والجمهور السياسي العربي والدولي هذه الخطوة، يبقى السؤال: هل ستنجح القوى السياسية في تجاوز خلافاتها الأولية وفتح صفحة جديدة من العمل البرلماني، أم أن العراق سيظل محاصرًا بين الانقسامات الداخلية وتأجيل الاستحقاقات الحاسمة؟
_لحظة اختبار المسؤولية الوطنية.
هذه الجلسة، رغم قصر جدول أعمالها، هي أهم من مجرد افتتاح عادي فهي تحمل في طياتها رسالة واضحة : البرلمان العراقي الجديد قد يكون نقطة انطلاق نحو دولة مؤسسات قوية، أو مجرد إعادة تدوير للخلافات القديمة وإن كل خطوة في هذه الجلسة، من أداء اليمين إلى انتخاب الرئيس والنائبين، ستحدد مسار العراق السياسي في السنوات الأربع القادمة ولن يكون النجاح مجرد تنفيذ بروتوكول دستوري، بل قدرة النواب على ترجمة الإرادة الشعبية إلى سياسات عملية والانتقال من خطاب شعبي إلى أداء برلماني حقيقي يقود البلاد نحو الأمن والاستقرار والتنمية.
في هذا السياق، تصبح أولى جلسة البرلمان محطة حاسمة ليس فقط للأعضاء الجدد بل لكل العراقيين الذين ينتظرون بصبر وقلق مستقبل وطنهم، آمِلين أن تكون هذه اللحظة بداية عهد جديد من النضج السياسي والمسؤولية الوطنية.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر