منبر العراق الحر :
نعيش الفلسفة سلوكًا، وننكرها خطابًا.
نمارسها في تفاصيل حياتنا اليومية، في اختياراتنا الصغيرة، في خوفنا، في رغباتنا، في صمتنا قبل الكلام، وفي ارتباكنا أمام المعنى، ثم نتبرأ منها حين تُسمّى فلسفة، كأنّ الاسم وحده يفضح هشاشتنا أمام السؤال.
الإنسان، في جوهره، كائن سؤال لا كائن إجابة.
لا يعيش لحظة خالية من حوار داخلي، حتى وهو يظن أنه صامت أو مستسلم. فالسؤال لا يطرق باب الوعي فقط، بل يسكنه. نعيش حالة حوار دائم مع ذواتنا، ومع العالم، ومع المجهول الذي يتخفّى خلف الأشياء. لذلك لا يكون التفكير فعلًا طارئًا، بل قدرًا وجوديًا لا فكاك منه.
نحن لا نفكّر لأننا نريد، بل لأننا لا نستطيع التوقف عن التفكير.
حتى النوم لا ينجينا من هذا العبء الجميل؛ ففي الحلم يتخذ السؤال شكله الرمزي، ويتحوّل القلق الوجودي إلى صور، ومشاهد، وخيالات. نستيقظ أحيانًا مفزوعين من حلمٍ كشف هشاشتنا، وأحيانًا مأخوذين بحلاوته، كأن الحلم كان يربّت على جرحٍ داخلي لم نجرؤ على لمسه في اليقظة.
هنا تتجلّى المفارقة الكبرى:
نعيش الفلسفة بوصفها سلوكًا، وننكرها بوصفها خطابًا.
نخاف أن نعترف بأننا نفكّر، لأن التفكير مسؤولية، ولأن السؤال يهزّ الطمأنينة الزائفة التي نلوذ بها. نريد حياة بلا قلق، لكننا لا نحتمل حياة بلا معنى، والمعنى لا يولد إلا من رحم السؤال.
الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا ولا تمرينًا لغويًا، بل هي هذا القلق العميق الذي يجعل الإنسان إنسانًا. هي ارتجاف الروح أمام الوجود، وهي الحوار الذي لا يتوقف حتى في المنام. لذلك، حين ننكر الفلسفة، فإننا في الحقيقة ننكر أنفسنا؛ ننكر ذلك الصوت الخافت الذي يسأل في الداخل، حتى ونحن نُظهر للعلن يقينًا مصطنعًا.
نحن لا نعيش بلا فلسفة، بل نعيشها خفية، متوارية خلف العادات والخطابات الجاهزة. نمارسها فعلًا، ونخشى الاعتراف بها قولًا. ومع ذلك، يظل السؤال حيًّا، يتنفس فينا، يوقظنا، ويذكّرنا بأن الإنسان ليس ما يقول فقط، بل ما يقلقه أيضًا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر