منبر العراق الحر :…كاتب وسياسي….
*السياسة التي تعجز عن إشباع الناس، لا تملك حقّ مطالبتهم بأي طاعة*
ليست الطاعة في جوهرها فعل خضوع، بل ثمرة عقدٍ غير مكتوب بين الحاكم والمحكوم، أساسه الحدّ الأدنى من الكرامة. وحين تعجز السياسة عن إشباع الناس، عن توفير الخبز قبل الخطاب، والعمل قبل الوعود، فإنها تفقد أخلاقياً وعملياً أي حقّ في مطالبتهم بالطاعة. فالجائع لا يُدار، ولا يُقنَع، ولا يُستدعى إلى الولاء، الجائع يُدفع إلى الصمت المؤقت، أو الانفجار المؤجّل.
في التجربة الإنسانية، لم تكن الشرعية يوماً شعاراً، بل قدرة على رعاية الحياة اليومية. الدولة التي تفشل في تأمين القوت، أو تسمح بتحويله إلى أداة ابتزاز، لا تُخطئ إدارياً فحسب، بل تُعلن إفلاسها السياسي. إذ كيف يُطلب من إنسانٍ أن يلتزم بنظامٍ لا يلتزم بحقه في البقاء الكريم؟
المفارقة القاتلة تظهر حين تتحول الطاعة إلى مطلب أخلاقي مفروض على الفقراء وحدهم. يُطالَب العامل بالصبر، والناشط بالتحمّل، والموظف بالانضباط، بينما تُدار الموارد بعقلية الامتياز، ويُكافأ القرب لا الجهد، وتُصان الولاءات لا الحقوق. هنا تنقلب السياسة من خدمة عامة إلى نظام ضبط، ومن إدارة شؤون الناس إلى إدارة خوفهم.
الطاعة التي تُنتَزع بالجوع ليست استقراراً، بل هدنة هشة. فالخبز ليس مجرد غذاء، بل لغة سياسية، حين يتوفر يفهم الناس أن النظام يرى حياتهم، وحين يُقطع، يدركون أن حياتهم ورقة ضغط. وفي اللحظة التي يفهم فيها المجتمع هذه الحقيقة، تتآكل الثقة، ويتحوّل الصبر إلى احتقان، والسكوت إلى قطيعة داخلية.
ثم يأتي الخطاب الديني أو القيمي ليُستدعى كـ مسكّن، وعود بالأجر، ودعوات للصبر، وتذكير بالتضحيات. لكن القيم حين تُستخدم لتغطية العجز، تتحول إلى عبء على أصحابها. فالدين الذي يطلب الطاعة من الجائع دون مساءلة من جوّعه، يُنتج نفاقاً اجتماعياً لا إيماناً، ويُراكم غضباً صامتاً لا استقامة. والله لم يكلّف عباده بالجوع، بل قال: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ويقول الإمام علي (ع) كاد الفقر أن يكون كفراً
إن الجوع إذا قهر الإنسان، أضعف قدرته على الصبر والعبادة، ولذلك ربط الإسلام بين الكفاية والكرامة والدين.
والسياسة الرشيدة تعرف ترتيب الأولويات، العيش قبل الوعظ، والعدل قبل الطاعة، والحق قبل الولاء. أما السياسة التي تفشل في ذلك، فتقايض الناس على قوتهم، وتراهن على تسويف الوقت، وتؤجّل الانفجار. لكنها تنسى أن الجوع لا ينسى، وأن الشعوب لا تُدار طويلاً ببطون خاوية.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر