منبر العراق الحر :
سألني أحدُ الأصدقاءِ: لِمَ لَمْ نعدْ نرى كتاباتِكَ كالسابق، وكأنكَ توقفتَ عن الكتابة؟ وأنا هنا أُجيبُ عن هذا التساؤل، وكعادتي أبدأُ بقصةٍ ثمَّ أنسجُ حولَها الأفكار
يقولُ ياقوتُ الحمويّ في رائعته معجم الأدباء :
كان ابن الخشّاب، وهو نحويٌّ ومُحدِّث، يوماً في داره وقت القيلولة والحرُّ شديد، وقد نام، وإذ طُرِقَ البابُ عليه طرقاً مزعجا… فانتبه، وخرج فزِعاً، فإذا بالباب رجلان من العامة
فقال لهما : ما خطبكما ؟
قالا : نحن شاعران، وقد قال كل واحد منا قصيدة زعمَ أنها أجود من قصيدة صاحبه، وقد رضينا بحكمك
فقال : ليبدأْ أحدكما
فأنشدَ أحدهما قصيدته وهو مُصغٍ إليه إلى أن فرغَ منها، وهمَّ الآخرُ بالإنشاد
فقال له ابن الخشَّاب : على رِسلك، شِعرك أجود من شِعره
فقال له : كيف عرفتَ شِعري ولم تسمعه
فقال : لأنه لا يمكن أن يكون شِعر أنحس من شِعر هذا !
والعبرةُ من القصةِ أنَّ الكتاباتِ الرديئةَ قد تكاثرت، مما دفعنا للزهدِ في هذا الفن؛ فالكتابةُ حرفةٌ وأمانة، وما نراهُ اليومَ -على كثرته- لا يرقى لمستوى مواضيعِ الإنشاءِ التي يكتبها طلابُ المرحلةِ الابتدائية! إنَّ مستوى الكلامِ المكتوبِ يعاني من سطحيةٍ مفرطة، أو إن شئتَ فقل: سطحيةٌ تقبعُ تحت مستوى السطح
وأنا هنا لا أدّعي براعتاً في صنعة الكتابة والبيان، ولا أزكي نتاجي بالجودة أو الكمال، وإنما غاية ما أصبو إليه هو تقديمُ نصٍّ يرفدُ المجتمع بما ينفعه، بعيداً عن كونه مجرد حشوٍ للأوراق أو سدٍّ للفراغ ، هناك مواضيعُ تُكتَبُ لِتُضيفَ إلى الوعي أفكاراً جديدة .
في عصرٍ كثرت فيه الكتابة وقلّ فيه الأثر، وغدت الكتابةُ ميداناً لمن لا خيل له ولا سلاح، واختلطت فيه أوراق الحقيقة بأصداء الزيف، حتى بات الحرفُ أمانةً يثقل حملها على من لم يذق مرارة البحث وصبر المجد.
“يقولُ صانعُ المسدسِ بعد أن أتمَّ صناعته: ‘الآن تساوى الجبانُ والشجاعُ’؛ واتكاءً على قوله هذا، أرى أن هناك طامةً كبرى قد حلت بنا اليوم، وهي الذكاء الاصطناعي؛ فبضغطة زرٍ واحدةٍ تأتي بالمقالِ الذي تريده، بل وتتوهمُ أنك أصبحت كاتباً، وهنا يتساوى الكاتب الجيد مع الكاتب الرديء !
ولكن صدقني، لن تبلغ المجد حتى تلعق الصَبِرا
وسلامتكم
منبر العراق الحر منبر العراق الحر