معيار المصلحة الوطنية في قراءة التحالفات الإقليمية ومستقبل العراق… رياض سعد

منبر العراق الحر :

قلنا، ونكرر للمرة الألف، إن بوصلتنا الأولى والأخيرة هي مصلحة وطننا الغالي العراق، وإن أي موقف أو قراءة سياسية لا تنطلق من هذا المبدأ إنما تضل الطريق وتخطئ الجادة الوطنية .

وقد أكدنا مرارًا أن الأغلبية العراقية الأصيلة تمثل العمق الحقيقي للثقافة والهوية الوطنية، اذ انها تشكل امتدادًا حضاريًا متصلًا بالأقوام والدول والحضارات الرافدينية المتعاقبة … ؛ وأن بقاء الدولة العراقية واستقرارها مرهونان، إلى حدٍ كبير، بصون حقوق هذه الأغلبية وضمان دورها الطبيعي في إدارة شؤون البلاد.

وعليه، فإن قياسنا للأمور والأحداث والوقائع، بل وحتى للأيديولوجيات السياسية، لا يكون إلا بميزان واضح: ميزان جلب المنافع للعراق، ولدولته، ولمواطنيه، ولأغلبيته الوطنية، ودفع الضرر عنهم… ؛ فالخير في السياسة هو ما يحقق مصلحة العراق ويحمي وحدته وسيادته، والشر هو كل ما يجر عليه الخراب والفتنة والانقسام، مهما تلون بالشعارات أو تزيّن بالعناوين والخطابات … .

ومن هذا المنطلق، فإن الموقف من أي نظام إقليمي—سواء كان سعوديًا أو إيرانيًا أو تركيًا أو غير ذلك—لا ينبغي أن يُبنى على العواطف أو الاصطفافات المسبقة، بل على قاعدة المصالح الواقعية… ؛ فإذا كان بقاء هذا النظام أو ذاك يصب في مصلحة العراق، ويحفظ أمنه واستقراره، ويعزز تجربة دولته السياسية، فإن الواجب السياسي يقتضي دعم هذا الاتجاه أو على الأقل عدم معاداته… ؛ أما إذا ثبت أن سياساته تضر بالعراق، أو تستهدف وحدته ونسيجه الاجتماعي وأغلبيته الوطنية، فلا مجاملة في ذلك ولا مكان للعواطف على حساب الوطن والمواطن .

ومن هنا يبرز سؤال جوهري لا بد من طرحه بجرأة ووضوح: أيّ الأنظمة السياسية الإقليمية وقف فعليًا إلى جانب العملية السياسية والتجربة الديمقراطية في العراق، ودافع عن حقوق الأغلبية العراقية الأصيلة في أحلك الظروف؟

من دون مواربة، سيذهب كثيرون إلى أن النظام الإيراني كان الأبرز في هذا الموقف… ؛ فقد أعلن، في مراحل مفصلية، دعمه للعراق في مختلف المحافل، ووقف إلى جانب الدولة العراقية في مواجهة التحديات الأمنية الخطيرة، ولا سيما خلال اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لأراضٍ واسعة من البلاد… ؛ كما قدم دعمًا عسكريًا ولوجستيًا، وأسهم في سد بعض الاحتياجات الحيوية كملف الطاقة، في وقت كان فيه العراق يواجه خطر الانهيار الأمني والمؤسسي.

في المقابل، اتخذت أنظمة إقليمية مجاورة أخرى مواقف سلبية، بل وعدائية في بعض الأحيان، تجاه العملية السياسية والتجربة الديمقراطية في العراق… ؛ وشهدت البلاد، خلال سنوات الفوضى، تدفق آلاف المقاتلين المتطرفين من جنسيات متعددة، فضلًا عن الدعم المالي والإعلامي والتنظيمي لجماعات العنف والتكفير، والتدخل في الشأن الداخلي بما ألحق أضرارًا جسيمة بأمن المجتمع ووحدته، واستهدف بصورة خاصة مكونات أساسية من الشعب العراقي وعلى رأسها الاغلبية العراقية .

وانطلاقًا من هذا الواقع، يذهب بعض المحللين إلى التحذير من أن أي انهيار أو إضعاف جذري للنظام الإيراني قد يترك فراغًا سياسيًا وأمنيًا خطيرًا، تخسر معه الحكومة العراقية والأغلبية الشيعية أحد أهم الداعمين الإقليميين… ؛ وقد يفتح ذلك شهية قوى إقليمية أخرى للتدخل مجددًا في الشأن العراقي، والسعي لإفشال التجربة الديمقراطية، وإعادة البلاد إلى دوامة الاستبداد والطائفية والعنصرية والإقصاء والتهميش .

هذا السيناريو المحتمل يجعل مستقبل الأغلبية العراقية في وضع بالغ الحساسية، أشبه ما يكون بـ«السير على حافة الهاوية»، الأمر الذي يفسر تمسك بعض القوى العراقية بعلاقاتها مع إيران لا بدافع الولاء المطلق، بل من باب البحث عن طوق نجاة في بحرٍ متلاطم من الصراعات الإقليمية والتجاذبات الطائفية.

وبناءً على هذه المعادلة، فإن سقوط النظام الإيراني – في حال افتراضه – سيترك العراق وحكومته وأغلبية شعبه في موقف حرج، حيث سيفقدون الداعم الإقليمي الأساسي في محيط يزداد اضطراباً… ؛ وهذا قد يفتح الباب مجدداً أمام أنظمة ذات أجندات طائفية للتدخل في الشأن العراقي، والعمل على إجهاض التجربة الديمقراطية وعودة شبح الدكتاتورية والانقسام الطائفي والصراع الأهلي، مستغلةً وجود خلايا نائمة من الجماعات المتطرفة في الداخل كما اسلفنا … .

هذا الاحتمال الاستراتيجي الخطير يضع مستقبل العراق على المحك، ويجعل خيارات الأغلبية العراقية محدودة وصعبة… ؛ وهو ما قد يدفعها، ليس حباً في التحالف مع إيران لذاته، بل تمسكاً بحبل النجاة الوحيد الذي تراه في مواجهة عواصف طائفية وإرهابية مدمرة قد تجتاح المنطقة كما اسلفنا .

غير أن السياسة لا تعرف الثوابت الأبدية، بل المصالح المتغيرة… ؛ وإذا ما تبدلت المعادلات الإقليمية والدولية، ووجد العراق نفسه أمام واقع جديد، فإن ذلك يستدعي إعادة تقييم شاملة للعلاقات الدولية، بما في ذلك العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، على أساس براغماتي يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار، ويبتعد عن الشعارات الجامدة التي لا تصمد أمام الامتحانات القاسية.

إن الأوضاع الراهنة شديدة التعقيد والخطورة، وتتطلب من الأغلبية العراقية، ومن النخب السياسية الحاكمة، انتهاج سياسة واقعية تقوم على تنويع التحالفات، وعقد الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتعزيز العلاقات مع القوى الكبرى, وضرورة التحرك بذكاء دبلوماسي ، بما يضمن حماية الدولة العراقية وسد أي فراغ محتمل في الدعم الإقليمي.

كما أن من واجب القادة والمسؤولين العراقيين إعداد البدائل والسيناريوهات الاستراتيجية لمواجهة أي تحول مفاجئ في موازين القوى، والعمل على بناء دولة قوية بمؤسساتها، قادرة على حماية سيادتها، وصون كرامة مواطنيها، وضمان مستقبل آمن ومستقر للأغلبية العراقية الأصيلة، بعيدًا عن الارتهان لهذا الطرف أو ذاك.

نعم , في ظل هذا المشهد المعقد، قد لا يبقى للأغلبية العراقية، في حال فقدان الدعم الإقليمي التقليدي، سوى اللجوء إلى تحالفات دولية أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية… ؛ وهذا يستدعي إعادة النظر بموضوعية في العلاقة مع واشنطن، وتبني سياسة براغماتية بعيداً عن الشعارات، توازن بين المصالح الوطنية والمتغيرات الإقليمية الخطيرة.

 

 

اترك رد