العراق بين فكيّ الصراع: وظيفة الدولة داخل مثلث إيران-سوريا-إسرائيل … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

مدخل الدراسة:
لم يعد العراق مجرد ساحة داخلية لصراع سياسي محلي، بل تحوّل إلى عقدة مركزية في معادلة إقليمية معقّدة، تتقاطع فيها مشاريع النفوذ، وإدارة الأزمات، ومنطق الردع. فالعلاقة بين إيران والعراق وسوريا لم تعد تقوم على التوازي، بل على التكامل الوظيفي، فيما تقف الولايات المتحدة بوصفها مديرًا لهذا الاشتباك، وتدخل إسرائيل كعامل ردع يمنع تجاوز حدود معيّنة.

هذه الدراسة تنطلق من فرضية أساسية:
الصراع القائم ليس على من يحكم العراق، بل على ماذا سيكون العراق داخل المعادلة الإقليمية-دولة ذات قرار، أم منصة ضمن جبهة مفتوحة.

أولًا: إيران ومنطق الجبهة الوظيفية

تعتمد إيران مقاربة تقوم على تحويل الجغرافيا إلى وظيفة. فالعراق وسوريا، في الاستراتيجية الإيرانية، ليسا كيانين سياسيين مستقلين بقدر ما هما مساران متصلان داخل عمق واحد. الهدف ليس السيطرة الرسمية، بل ضمان ألّا يتحول أي من المسارين إلى خاصرة رخوة تُستخدم ضد طهران.

في العراق، يتحقق ذلك عبر ثلاث طبقات:
1. طبقة سياسية تضمن ألّا يتخذ القرار السيادي اتجاهًا معاديًا.
2. طبقة أمنية–فصائلية تملك القدرة على التعطيل أو الردع.
3. طبقة جغرافية–اقتصادية تستفيد من الحدود والمنافذ والشبكات غير الرسمية.

أما في سوريا، فتُستكمل المعادلة بمنع أي إعادة تموضع سياسي يُقصي الدور الإيراني أو يفصل دمشق عن مسار بغداد. وبهذا، تتكوّن “الجبهة الواحدة” ليس كتحالف معلن، بل كنظام عمل فعلي.

ثانيًا: العراق كنقطة ارتكاز وكعب أخيل

يمثل العراق قلب هذه الجبهة، لكنه أيضًا أضعف حلقاتها. فهو الدولة الوحيدة التي تمتلك مؤسسات رسمية وانتخابات وعلاقات دولية نشطة، وفي الوقت ذاته يعاني من ازدواج القرار وتداخل الدولة مع السلاح غير المنضبط.

هذه الازدواجية جعلت العراق ساحة اختبار دائمة:
• إن استقرت مؤسساته، اختلّ التوازن الإقليمي لصالح الدولة.
• وإن ضعفت، تحوّل تلقائيًا إلى منصة صراع.

من هنا، لا يُقرأ المشهد العراقي خارجيًا عبر أسماء السياسيين فقط، بل عبر قدرتهم على كسر أو إعادة إنتاج هذه الازدواجية.

 

ثالثًا: المالكي بوصفه رمز الدولة العميقة

في هذا الإطار، يكتسب اسم نوري المالكي دلالته الحقيقية. فهو لا يُنظر إليه خارجيًا كمرشح سياسي عادي، بل كـ رمز لمرحلة ترسّخت فيها الدولة العميقة: مرحلة توسّع نفوذ الفصائل، وتسييس المؤسسات، وربط القرار العراقي بمحور إقليمي واحد.

لهذا، فإن الاعتراض الدولي على عودته لا ينطلق من موقف شخصي، بل من قراءة تعتبر أن عودته تعني-رمزيًا وعمليًا-عودة النموذج ذاته. نموذج يُضعف قابلية العراق للشراكة، ويُقربه من وظيفة “المنصة”.

وبهذا المعنى، يصبح المالكي مؤشرًا أكثر منه فاعلًا منفردًا: مؤشرًا على اتجاه الدولة، لا على هوية الحكومة فقط.

رابعًا: الولايات المتحدة…إدارة الأزمة لا حسمها

تعتمد الولايات المتحدة مقاربة مختلفة. فهي لا تسعى بالضرورة إلى كسر الجبهة الإيرانية دفعة واحدة، بل إلى إدارة المخاطر ومنع تحوّل العراق إلى نقطة انفجار.

تقوم هذه المقاربة على ثلاث رافعات متدرجة:
1. الشرعية السياسية: تحديد من هو الشريك المقبول ومن هو المعزول.
2. الاقتصاد والمال: تحويل النفوذ السياسي إلى كلفة مالية.
3. الردع الأمني المحدود: استخدام القوة عند تجاوز الخطوط.

التحول في الخطاب الأميركي-من التحفظ إلى التحذير العلني-يعكس فشل نموذج “الإدارة من الخلف”، ومحاولة إعادة فرض معايير واضحة لوظيفة الدولة العراقية.

خامسًا: إسرائيل كعامل تسريع وردع

إسرائيل، بخلاف واشنطن، لا تدير الأزمات ببطء. فهي تتعامل مع أي تمدد إيراني بوصفه خطرًا مباشرًا، وتسعى إلى منع تراكمه قبل أن يتحول إلى تهديد فعلي.

من هذا المنظور، لا يُقرأ العراق في تل أبيب كدولة محايدة بالضرورة، بل كساحة محتملة ضمن الجبهة الإيرانية الممتدة. وأي حكومة عراقية تُفهم على أنها تغطية سياسية لهذا الامتداد ستدخل، عاجلًا أم آجلًا، في الحسابات الأمنية الإسرائيلية وبدون إعلان.

وهنا تتقاطع الحسابات الأميركية والإسرائيلية:
واشنطن تؤخر الصدام،
تل أبيب تمنع الوصول إليه.

سادسًا: سيناريوهات الوظيفة العراقية

أمام هذا المشهد، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة لوظيفة العراق:
1. دولة مُحتواة: تحافظ على حد أدنى من الاستقلال، وتُدار الضغوط عبر أدوات سياسية واقتصادية.
2. منصة صراع: تُعاد فيها شرعنة السلاح الموازي، ويُختبر فيها الردع الأميركي-الإسرائيلي.
3. فراغ مُدار: لا دولة حاسمة ولا صدام مباشر، فتتآكل السيادة تدريجيًا.

الفاصل بين هذه المسارات ليس الخطاب، بل القرار التنفيذي: التعيينات، ضبط السلاح، والسياسة الإقليمية.

خاتمة الدراسة: سؤال الوظيفة

تخلص هذه الدراسة إلى نتيجة مركزية:
الصراع على العراق هو صراع على وظيفته الإقليمية، لا على حكومته فقط.

إيران تسعى إلى تثبيت الجبهة،
الولايات المتحدة تحاول إدارتها،
وإسرائيل تفرض حدودها بالقوة عند الحاجة.

أما العراق، فهو أمام خيار تاريخي:
إما أن يُعيد تعريف نفسه دولةً بقرار مستقل،
أو أن يُعاد تعريفه من الخارج كمنصة صراع مؤجلة.

وفي زمن التحولات الحادة، لا مكان للرمادية الطويلة. الدول التي لا تختار وظيفتها بنفسها، تُختار لها.

اترك رد