منبر العراق الحر :
في لحظةٍ تختنق فيها العدالة، ويغدو القانون أداةً لحماية المتنفذين بدل إنصاف المظلومين، تنتهي الحكايات غالبًا بنهاياتٍ مأساوية، وهكذا انتهت قصة عبد الله، الشاب العراقي الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، حين اختار أن يشعل النار في جسده، لا هربًا من الحياة، بل احتجاجًا أخيرًا على دولةٍ خذلته وضيّقت أنفاسه حتى الرمق الأخير.
عبد الله، المولود عام 2003، ينحدر من قضاء حمام العليل جنوب مدينة الموصل، – شمال العراق – من حيّ الصلاحية، شاب بسيط، يعاني مرض الصرع، ويعيش على علاجٍ يرافقه أينما حلّ أو ارتحل، وفي أحد الأيام، وُجد في جيبه دواءه الطبي، لكن ذلك لم يشفع له؛ فقد جرى اعتقاله على الفور، في مشهد يعزز هشاشة الثقة بين المواطن ومؤسسات يفترض أن تحميه إذا ما داهمته الخطوب.
في اليوم التالي، سارع أهله إلى مركز التوقيف، حاملين معهم التقارير الطبية التي تثبت حالته الصحية، وبعد مراجعات وضغوط، أُطلق سراحه، وخرج رسميًا بريئًا من أي تهمة، غير أن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد، بل بدأت فصولها الأشد قسوة في الخفاء.
لاحقًا، تسرّبت معلومات خطيرة عن وجود مواد مخدّرة داخل مركز التوقيف نفسه، وعن شبهات تطال موظفة متورطة في توزيعها، ومع تصاعد الحديث عن القضية، بدا أن هناك حاجة ملحّة إلى “كبش فداء” يطوى به الملف قبل أن يصل إلى مستويات أعلى، عندها، عاد اسم عبد الله إلى الواجهة، لا كمريض أو موقوف سابق، بل كمتهم جاهز لتحمّل وزر منظومة فاسدة حدّ النخاع.
جُهزت التهمة، وأُلبست له قسرًا، في تجاهلٍ كامل لحالته الصحية المأساوية وتاريخه المؤلم مع الاعتقال، فعبد الله لم يكن غريبًا عن السجون؛ إذ تعرّض عام 2021 لتعذيب خلال احتجاز سابق، ترك آثارًا جسدية ونفسية عميقة، ويؤكد مقربون منه أن نوبات الصرع التي لازمته لاحقًا كانت نتيجة مباشرة لذلك التعذيب بات يعاني من ويلاته.
بين اعتقالٍ وتعذيبٍ وتلفيقٍ وصمت، وجد الشاب نفسه محاصرًا بلا أمل يلوح في الأفق، ولا قضاء ينصفه، ولا قانون يحميه، ولا دولة تصغي إليه، وفي لحظة يأسٍ مطبق، قرر أن يجعل من جسده رسالة، فأشعل النار في نفسه، ليصرخ بما عجز عن قوله حيًّا.
بالنسبة لكثيرين، ما جرى لعبد الله هل يمكن وصفه بالانتحار؟! إنه، وفق روايات وشهادات، نتيجة سلسلة انتهاكات ممنهجة، تبدأ من التعذيب، ولا تنتهي عند تلفيق التهم، إنها جريمة دولة مكتملة الأركان، عنوانها الإفلات من العقاب، وثمنها أرواح الشباب.
في دولٍ تحترم نفسها، كان مثل هذا الحدث سيؤدي إلى استقالات فورية، واعتقال ضباط تحقيق، وفتح محاكمات علنية أمام الرأي العام، أما الصمت، والتستر، وغياب المساءلة، في العراق، فلا يُقرأ إلا بوصفه شراكة في الجريمة.
عبد الله لم يحرق نفسه عبثًا، لكنه أحرق جسده ليكشف واقعًا يحترق فيه الحق كل يوم، والنار التي التهمت جسده، يقول من عرفوه، لن تنطفئ بسهولة، لأنها تواصل اشتعالها في ضمائر من اختاروا الصمت عن معاناته دون السعي في تفريج كربته ومأساته، فغاب حقه في الدنيا لكن أمام محكمة العدل الإلهية لن يضيع حقه، وعندها لا ينفع الندم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر