الهدوء كاستراتيجية للتيار الوطني الشيعي في مواجهة التحولات السياسية العراقية : قراءة في تغريدة الصدر الأخيرة.

منبر العراق الحر : تغريدة اليوم التي أصدرها مكتب زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر جاءت في توقيت حساس للغاية على الصعيد السياسي والاجتماعي في العراق حيث يعيش البلد مرحلة دقيقة من التحولات بعد الانتخابات الأخيرة والتقلبات المستمرة في موازين القوى بين الأحزاب والتيارات السياسية والنص القصير والغامض للتغريدة : “لا تقولوا قولاً ولا تفعلوا فعلاً إلا بعد سؤال الحوزة العلمية – (هدوء)” يبدو للوهلة الأولى بسيطًا لكنه يحمل في طياته رسائل متعددة الأبعاد سياسية ودينية واجتماعية في آن واحد.

فالتأكيد على العودة إلى المرجعية الدينية وعلى الحذر من التصرفات المندفعة قبل التشاور مع الحوزة العلمية يعكس وعي الصدر بالبيئة المعقدة التي يتحرك فيها وحرصه على ألا تنقلب الحماسة السياسية أو ردود الأفعال العاطفية ضد مصالح التيار أو استقرار البلاد وهذه التغريدة تضع الجميع أمام حقيقة واضحة مفادها أن أي خطوة مقبلة للتيار الوطني الشيعي أو أنصاره يجب أن تُتخذ ضمن إطار شرعي واضح ومؤسسي وأن المرجعية الدينية تبقى المعيار الأهم في توجيه السلوك السياسي والاجتماعي وهو ما يعكس نضجًا في قراءة المشهد العراقي خصوصًا في وقت يكتنف فيه الغموض مستقبل التحالفات والمناصب السياسية وما يزيد من عمق هذه الرسالة أن الصدر لم يكتفِ بالنصيحة بل أضاف كلمة “هدوء” في النهاية وهي كلمة بسيطة لكنها محملة بالمعاني إذ تشير إلى ضرورة ضبط النفس واحتواء أي توتر محتمل قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح أو صدامات غير محسوبة العواقب.

هذه الدعوة للهدوء المرتبطة بالرجوع إلى الحوزة العلمية تؤكد على أن أي موقف سياسي أو احتجاجي يجب أن يكون مدروسًا ومرتبطًا بضوابط شرعية وليس مجرد اندفاع عاطفي أو رد فعل على أحداث آنية وهو ما يمكن فهمه ضمن استراتيجية متأنية لتجنب الانزلاق نحو الصدام الداخلي أو الاستفزاز الطائفي الذي قد يعيد العراق سنوات إلى الوراء ومن زاوية أخرى يمكن قراءة هذه التغريدة في سياق استراتيجية الصدر التي لطالما اتسمت بالمرونة فهو في مواقفه السابقة لم يتردد في التحرك بحسم حين رأى أن الوضع يتطلب ذلك لكنه في الوقت نفسه عرف كيف يتراجع مؤقتًا حين تدعو الضرورة إلى ضبط النفس والتشاور مع المرجعية.

هذه التغريدة تعكس ذلك النهج المتوازن فهي ليست تراجعًا عن المواقف ولا هي استسلام للضغوط السياسية بل هي دعوة لتثبيت الخطوة التالية على أساس واعٍ ومدروس مع مراعاة التوقيت المناسب وطبيعة القوى المتصارعة على الأرض وفي ضوء التطورات الأخيرة حيث تشهد القوى السياسية تحالفات متغيرة ومفاوضات صعبة على المناصب تبدو الرسالة أكثر وضوحًا كإشارة إلى ضرورة الصبر والتروي والاعتماد على المرجعية الدينية لتوجيه الأنشطة السياسية والاجتماعية للتيار الوطني الشيعي ما يضمن الحد من أي تصعيد محتمل ويمنح البلاد فرصة لاستقرار نسبي ولو مؤقت وعلى المستوى الشعبي.

ان هذه التغريدة قد تؤثر بشكل مباشر على أنصار الصدر الذين قد يكونون عرضة للانفعال أو ردود الأفعال السريعة فتوجيههم نحو الهدوء والانتظار قبل اتخاذ أي موقف، هو في الواقع حماية للتيار من أي نتائج عكسية قد تنجم عن قرارات متسرعة وعلى الرغم من بساطة العبارة إلا أنها تحمل تحذيرًا ضمنيًا لجميع القوى السياسية الأخرى بأن أي تحرك أو تصعيد يجب أن يتم بحسابات دقيقة وأن المرحلة الراهنة تتطلب مسؤولية جماعية، لا اندفاعًا فرديًا أو حزبيًا يمكن أن يعقد المشهد أكثر.

هذه الرسالة تظهر أيضًا بوضوح مدى ارتباط الصدر بالمرجعية الدينية وتذكّر الجميع أن المشهد السياسي العراقي لا يمكن فصله عن البنية المجتمعية والدينية التي تشكل جزءًا من ثقافة وصناعة القرار في البلد، وأن أي تجاهل لهذه الحقيقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على الجميع، وليس على التيار الصدري وحده وبالنظر إلى تاريخ الصدر في إدارة الأزمات السياسية يمكن القول إن هذه التغريدة تشكل مؤشرًا على أن التيار الوطني الشيعي لا يزال يسعى للعب دور محوري في ضبط توازنات القوى وأنه يعي تمامًا أن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى تراجع شعبي أو سياسي أو حتى استغلال من قوى خارجية لإضعاف موقفه.

الخلاصة أن تغريدة اليوم ليست مجرد عبارة عابرة بل هي رسالة مركبة تحمل أبعادًا سياسية ودينية واجتماعية في آن واحد، وتضع الجميع أمام مسؤولياته وإنها دعوة للهدوء، للتروي للرجوع إلى المرجعية ولضبط الخطوات السياسية القادمة وهي بمثابة تأكيد على أن التوازنات الدقيقة والوعي بالبيئة المعقدة هما الأساس لأي قرار سياسي ناجح في العراق وهذا التحليل يمكن القول إن هذه التغريدة تمثل لحظة تأملية عميقة للتيار الوطني الشيعي وللعراقيين جميعًا فهي ليست مجرد نص للتوجيه بل هي نداء للوعي السياسي والاجتماعي دعوة للابتعاد عن ردود الأفعال العاطفية وتمهيد الطريق لمستقبل أكثر استقرارًا.

إنها تحث على إدراك أن العراق في مرحلة دقيقة تحتاج إلى الحكمة أكثر من القوة والتروي أكثر من الاندفاع وأن أي خطوة يجب أن تُبنى على فهم شامل للتوازنات الداخلية والخارجية وعلى احترام المرجعية الدينية التي تمثل الصوت العقلاني والموجه وهذه التغريدة هي أكثر من مجرد نص إنها خارطة طريق ضمنية للمرحلة المقبلة وهي رسالة قوية لكل الأطراف بأن الهدوء والتروي ليس ضعفًا بل هو قوة واستراتيجية للحفاظ على التيار الوطني الشيعي وسمعته وعلى استقرار العراق بشكل عام وأن أي قرار يجب أن يكون مدروسًا بعناية مع مراعاة حساسية المشهد السياسي والاجتماعي الذي يعيشه البلد اليوم.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد