منبر العراق الحر :
لمّا تلوحين في المسافة
يُصاب الزمنُ برجفةٍ خفيّة
كأنّ الساعات تنسى أرقامها
وتعودُ إلى بدايتها الأولى
حينها لم يكن للوقت معنى
ولا للأسماء حدود…
أراكِ
فأشعر أنّ الذاكرة
تُعيد ترتيب نفسها
تحذف الزوائد
وتحتفظ بما يشبهك فقط
كأنّ العمر كان مسودة
وأنتِ النسخة
التي تستحقّ البقاء…
في حضوركِ
تفقد الأشياء
تعريفاتها القديمة
الليل لا يعود ليلًا
بل ممرًّا شفافًا
تعبره روحي بلا خوف
والصوت يصير أبطأ
كأنه يخشى
أن يوقظ دهشتي…
أقترب منكِ
بخطواتٍ لا تُرى
وانحناءة القلب
حين يعترف لأول مرة
أنّ النجاة قد تكون شخصًا
وأنّ الطمأنينة
قد تأخذ هيئة وجه…
أنتِ لستِ فكرة
ولا احتمالًا عابرًا
أنتِ اليقين
حين يتعب الشك
وأنتِ المعنى
حين تتنازل الكلمات
عن مهمّتها
وتترك الصمت
يتكفّل بالباقي…
حين تبتسمين
تُصاب الجهات بالارتباك
لا أعرف أين الشرق
ولماذا يبدو الهواء
أخفّ من المعتاد
كأنّ العالم يتدرّب
على الفرح
على مهل
كي لا يفزعه
هذا الجمال…
أحدّث الليل عنكِ
فيصغي طويلًا
ثم يغيّر نبرته
كأنه يعترف
أنّ بعض الأسرار
لا تُقال…
حتى للعتمة
في عينيكِ
لا تسكن النجوم
بل تسكن حكاية الضوء
قبل أن يتعلّم
نبض الاحتراق
وفي ملامحكِ
شيء يشبه الوطن
حين يكون صادقًا
ويرفل بالنور…
كيف أكتبكِ
وأنتِ لستِ موضوعًا؟
كيف أصفكِ
وأنتِ الحالة
التي تُعيد تعريف الشعور؟
أنا لا أراكِ
أنا أُصاب بكِ
كما يُصاب القلب
بفكرة لا شفاء منها…
كلّ الطرق التي سلكتها سابقًا
تبدو الآن تجارب ناقصة
كأنها كانت تهيئة
لهذا الوقوف
الحائر أمامكِ
حيث لا أملك إلا الصدق
ولا أحتاج إلى شجاعة…
أغمض عينيّ
فتمتلئ المسافة بكِ
أفتحهما فأكتشف أنني
لم أكن أنظر جيّدًا
من قبل…
العمر كله
كان محاولة
حتى وصلتِ
وأصبحت أخاف
من سرعة الوقت
أن يمرّ ولا يمنحني
فرصة كافية
لأتعلم كيف أفرح بكِ
دون أن أرتجف
إن انتهى العمر…
أنتِ لستِ
خاتمة ولا بداية
أنتِ اللحظة
التي أتصالح فيها
مع ضعفي وأفهم
أنّ بعض اللقاءات
لا تحتاج تفسيرًا
بل شكرًا صامتًا
يُقال بالقلب
ويُحفظ إلى الأبد…
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر