الأصول الأمريكية للنظام السياسي العراقي: تملُّك أم شراكة؟ فلاح المشعل

منبر العراق الحر :….مقاربة نقدية في بنية التأسيس والوظيفة…..

مثّل الاحتلال الأمريكي للعراق نموذجاً تطبيقياً لتحوّل الرأسمالية العالمية إلى طورها الإمبريالي، حيث لم يعد النفوذ يُمارَس عبر الأدوات الاقتصادية وحدها كالحصار الاقتصادي، بل من خلال تكامل القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية في إعادة تشكيل الدول والمجتمعات التابعة. وفي هذا السياق، جرى تفكيك النظام الاستبدادي العراقي القائم عام 2003، وإعادة تركيب نظام سياسي جديد برعاية أمريكية مباشرة، استُكملت شروط حمايته عبر منع تشكّل أي ديناميات ثورية مضادة، أو صعود قوى راديكالية خارجة عن السيطرة، فضلاً عن تحجيم أدوار دول الجوار التي رأت في التجربة الديمقراطية العراقية تهديداً بنيوياً لأنماط حكمها السلطوية.
أُدخل مفهوم الديمقراطية إلى المجال السياسي العراقي بوصفه نموذجاً مؤسسياً مستورداً، لا بوصفه نتاجاً تاريخياً لتطور اجتماعي-سياسي داخلي. وقد جاء ذلك في سياق مجتمع مُنهك، انقسم بين عنف داخلي واسع النطاق، ونخب سياسية واجتماعية تعرّضت لاقتلاع قسري طويل الأمد عبر المنافي والاغتراب.
قبيل الغزو، أبرمت الولايات المتحدة تفاهمات سياسية سريعة مع قوى معارضة متباينة أيديولوجياً ومفككة تنظيمياً، لم يجمعها برنامج وطني جامع، بقدر ما وحّدها هدف إسقاط النظام السابق ضمن كلفة استراتيجية أمريكية خالصة. وقد أنتج هذا الترتيب نمطاً من النخب السياسية التي انتقلت مباشرة من موقع المعارضة إلى السلطة، دون المرور بمرحلة تأسيس شرعية داخلية أو تعاقد اجتماعي واضح، ما أفضى إلى إضعاف مبكر لفكرة السيادة الوطنية والاستقلال السياسي.
بعد أكثر من عقدين على تأسيس النظام السياسي الجديد، تُظهر القوى الحاكمة عجزاً واضحاً عن تقديم قراءة نقدية صريحة لطبيعة علاقتها بالولايات المتحدة بوصفها القوة المؤسسة للنظام. بل يمكن القول إن هذه القوى تتعامل مع تلك العلاقة بقدر عالٍ من الإنكار السياسي، رغم أن استمرارها في الحكم، واستحواذها على موارد الدولة، ارتبط عضوياً ببنية النظام الذي نشأ تحت المظلّة الأمريكية.
تتفاقم هذه الإشكالية في ظل تحوّل السياسة الأمريكية المعاصرة، ولا سيما في المرحلة «الترامبية» وما بعدها، من مقاربات الهيمنة الناعمة إلى أنماط أكثر مباشرة في إدارة النفوذ، بالتوازي مع تصاعد الصراع البنيوي مع القوى الدولية الصاعدة كروسيا والصين. وضمن هذا الإطار، يُعاد تعريف موقع العراق ليس بوصفه شريكاً سيادياً، بل باعتباره فضاءً سياسياً خاضعاً لإدارة المصالح الأمريكية، بما يشمل التدخل في تشكيل الحكومات، وتحديد المقبول وغير المقبول من الفاعلين السياسيين.
غير أن جذور الأزمة تبقى داخلية بالدرجة الأولى. فالنظام السياسي العراقي، رغم التضحيات الاجتماعية الواسعة، فشل في التحول إلى دولة مؤسسات مدنية ذات استقلال نسبي في القرار والسياسات العامة. ويعود ذلك إلى هيمنة بنى حزبية طائفية وإثنية ومناطقية، أعاقت تشكّل دولة القانون، وكرّست منطق المحاصصة بوصفه بديلاً عن المواطنة.
وقد أسفرت هذه البنية عن مسار سياسي اتّسم بالهدر المؤسسي، واستباحة الموارد العامة، وتآكل المنظومة الإدارية والقضائية، إلى جانب تفكك القيم الاجتماعية والأخلاقية الضابطة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. كما لم تُنتج التجربة العراقية نموذج شراكة استراتيجية تنموية مع الولايات المتحدة، على غرار ما شهدته تجارب دول ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل أفضت إلى نمط من «الكلبتوقراطية السياسية» المدعومة بسلاح جماعات ميلشياوية وأخرى تعود إلى ما قبل الدولة.
في هذا السياق، تبدو التجربة السياسية العراقية هشّة بنيوياً، وغير قادرة على تحصين ذاتها أمام الضغوط الخارجية، وهو ما يفسّر حساسيتها المفرطة تجاه التصريحات الأمريكية المتعلقة بتوازنات السلطة الداخلية، في ظل غياب موقف مؤسسي موحّد يصدر عن الدولة العراقية عبر قنواتها الدبلوماسية الرسمية.
وعليه، فإن الإشكالية المركزية لا تكمن في طبيعة الدور الأمريكي فحسب، بل في عجز النخب الحاكمة عن تحويل «ملكية التأسيس» الخارجية إلى شراكة سيادية داخلية، قادرة على إنتاج شرعية سياسية وطنية، وضمان استدامة النظام السياسي بوصفه تعبيراً عن الإرادة العامة، لا امتداداً لوظيفة إمبريالية في سياق دولي متحوّل.
*للبحث تتمّة في مقالات لاحقة.

اترك رد