الخطاب الإبداعي وإبداعات التلقي…محمد مهيم محمد

منبر العراق الحر :….ملحوظة : مقطع من كتابي الذي سيصدر قريبا ، إن شاء الله …..

أحيانا ينتابني سؤال بل أسئلة حول إنتاجية الخطاب الأدبي ؟ وما إذا كان ما نتوصل إليه ، عبر عملية التهامس مع أكوانه سواء على مستوى التلقي الفني ، أو على مستوى التلقي الإبداعي الجمالي ، ذا مصداقية … ؟ وما حقيقة التصورات التي كوناها أو نكونها حوله … ؟ لأنني أعتقد أن الكثيرين ممن سنحت لهم قراءة إنتاجاتي المنشورة ، أو كتابي ” الرؤيا الإبداعية بين … نبض التذويت … وغنج السيميوزيس ، الذي صدر مؤخرا ، قد حضرهم هذا الهاجس نفسه… ، ( 1 ) أقول هذا لأن فعل التلقي في حد ذاته ، قد ينفلت من قبضتنا أو يتغنج عنا … لأننا ، في الحقيقة ، لا نتعرف على هوية أي جنس من الخطابات الأدبية ، إلا عبر الصياغات الظاهرة التي يستعرضها ، هذا الأخير ، والتي يقترحها علينا فعل التلقي نفسه ( 2 ) عبر مساره التواصل العادي … ، ومن ثمة ، فعندما نعتقد أننا ننقل أو ننتج تلقيا أدبيا ، فإننا لا نعدو في الواقع ، ودون وعي منا ، سوى ممارسة نوع من التأويل الانطباعي ، أو العادي .. وبخلاف هذا نجد أن التلقي الذي يمارس تأويلا أكثر عمقا .. من طرف متلقين متخصصين ، الذين يمتلكون القدرة على توظيفهم لنظرية ومنهجية ما ، ( 3 ) في تحليل الخطاب الأدبي ، والذين يدركون كنه وطبيعة الخطابات الإبداعية ، سواء على المستوى الفني أو المستوى الجمالي ، وكذا حدود جهودهم المبذولة ، في الوصول إلى بعض دلالته …. مع هذا كله ، فإنهم ، يحسون صعوبات في توصيفهم للممارسة التأويلية ، وفي الوصول إلى ملامسة جمالية الخطاب الأدبي ، خاصة فيما يعرف بتنوع حالات التلقي المصاحبة بنوع من التداعيات والخواطر المتمثلة في … المتعة والخوف والتوقع والمفاجأة …، لا سيما عندما يكون موضوعها عملًا أدبيًا فنيا ، جماليا . ومن ثمة ، فالتأويلات الأكاديمية ، أو المتخصصة ، ولئن كانت أحيانا ، أكثر “صدقًا”، أو أكثر نضجا ، فهي لا تعكس واقع التلقي بشكل أفضل شأن النسخ “الانطباعية ” ، العادية التي يقدمها التلقي التلقائيً… وفوق كل ذلك، لأن هذا التلقي ذاته لا يخلو من بعض الهفوات أو الهنات وكذا الآثار السلبية التي قد تغطي على مصداقية الإنتاجات الفنية المتوصل إليها ، لأنها ، غالبًا ، ما يصاحبها نوع من الانتقائية ، بما يناسب التوجه المنهاجي أو طبيعة البحث والرؤية التي يتبناها كل من( الناقد ) و المتلقي بصفة عامة ، وحتى المبدع في توضيبه لآثار أو تخوم الرؤية الفنية لتجربته ، يخضع لعملية الانتقاء هاته ، تحت إكراهات أداة التوصيل ( 4 ) … مما يضفي على التلقي بعض التشهوات العقيمًة، لصورة التلقي، ويدين متعتها، لأنها تكون خالية من أي مضاف ، قد يغني العمل بمسحة جمالية ، قصد التفاعل مع الخطابات الأدبية والمسارات الدلالية التي نحتك بها ، حين يتاح لنا الانفتاح على العالم، وعلى الآخرين، وعلى أنفسنا خاصة ( 5 ) … ، ومادام الأمر ، يكمن في أننا نمارس في الغالب تلقيا منفرد ، فسنحاول التعامل مع هذا التأويل الجمالي بنوع من التأمل التأويليّ ، حيث سنضعه موضع افتحاص في التجربتين معا ، الآتي ذكرهما ، قصد توضيح الافتراضات أو تخيل بعض المسلمات التي تكفل إمكانية الاقتراب بشكل أكثر عمقا من مسارات السيميوزيس ( 6 ) التي تؤثث الرؤيا الأدبية فيهما وفي الخطابات الأدبية بوجه عام ….
.. إننا ، نعلم ، أن كل عمل تأويلي ، يتغيا تحليل الخطاب الأدبي ، مثله مثل أي تلق مهما كانت هويتها ، فإنه يعتمد ، في الحقيقة ، على مفاهيم للتحليل والتأويل .. خاصة اللغة والمعنى والدلالة ،… ومن هنا فإن كينونة الأدب. يجب أن تحظى فيها نظرية التأويل الجمالي بمساحة أقصى من الحيادية الأدبية . إننا في تحليلنا لهاتين التجربتين الشعريتين ، ( ” لامية العرب ” للشاعر الجاهلي الشنفري ، و ” أنا يوسف يا ابي ” للشاعر الفلسطيني محمود درويش ) سوف لن نكتفي ، فقط ، بتوصيف آليات التلقي ، الفنية ، أو الجمالية أو شروط صدق تأويلاتها ، قدر الإمكان، بل يجب علينا أن نُعتني بوضعية هذا التلقي وانزياحات هاته التأويلات في إطار البحث السيميائي الذي يهدف إلى دمج قضايا اللغة ، والمعنى و الدلالة ، وكذا مسألة وضوح الخطابات. في ارتباط بسياقاتها الداخلية والخارجية ، وعبر الوضع المسافاتي بين العلامات أو الممثلين وبين موضوعاتها ومؤولاتها ..( 7 ) . ومسار مثل هذا يدعو إلى التساؤل حول بعض المسلمات المشتركة ، بين هذه الأطراف السابقة … لأن المعاجم اللغوية ، وحتى البحوث اللسانية والسيميائية ، تحرك على الأقل ثلاث فرضيات ضمنية ، في تعاملها مع الخطاب الأدبي بمختلف أجناسه :
ــــــ الفرضية الأولى : هل الخطاب الأدبي ، فقط ، عبارة عن ملفوظ فوق جملي ، لساني.. يعني نوعا من الاحتمال أو نوعا من التجريد ؟
ـــــ الفرضية الثانية : هل الخطاب الأدبي ، خطي ، تلقائي ، في الحالة التي يعمل فيها على إدراج تسلسل عباراته ، ضمن زخم من العلامات المحملة بالصور والرؤى ، أي عبارة عن متوالية جملية ، أو تتابع حدثي أو مشاهدي ..
ــــــ والفرضية الثالثة : تذهب إلى أن هذا الخطاب ، في تنوعه ، ليس سوى صيغة ما للتلقي ، أو أحد أشكال التأويل .على المسار التواصلي العادي.
لكن لا واحدة من هذه الفرضيات يمكنها أن تتحمل اختبارات الأحداث والحالات .. أثنا حدوث تهامس فعلي مع معطيات الخطاب الأدبي الإبداعي … ومن ثمة ، فإن المشتغلين في مجال السيمياء الذين يذهبون إلى هذا النوع من التصنيف ، ليس لهم القدرة على بلورت نظرية للخطاب والتأويل الأدبي ، تصاقب إلى حد ما ، الحقيقة الملحوظة أو الوقع المعيش ، بالأحرى …آثار التجربة الإبداعية الجمالية ..: لأن كل نظرية تحاول نفي سابقتها ، وتعلن عن أحقيتها في الاستحواذ على حرم الأدب ..وهذا الأمر يدعو إلى التساؤل التالي : مثلا هل بمقدورنا أن نرفض منح ميزة الخطاب للقصائد المكونة من جملة واحدة أو صورة أو حتى مشهد طبيعي … وكذا للقصائد التي تقدم نفسها كتسلسل عددي مستقل عن قواعد اللغة الفصحى … كقصائد الزجل مثلا ، وإن كان له من المرونة الشكلية الكاملة ، لمنافسة اللغة الفصحى في التصوير الدقيق لأثار التجربة الشعرية ولا أقول الزجلية ؟ أم أن الأمر ، يهم ، فقط الإنتاجات الأدبية التي يقدمها أصحابها أنفسهم ، باعتبارها إنتاجات راقية …؟؟ وما مقياس هذا الرقي .. ؟؟ فبالرغم أن أغلب الخطابات الأدبية الإبداعية ، احتمالية .. أي عبارة عن فوق جملية ، إلا أن بعضها قد يتكون من جملة أو أكثر ، أو يتوسل أي أداة تعبير مهما كان طينتها ، ومن ثمة ، فإن نظرية للخطاب الأدبي بشكل عام .. لا يمكنها أن تًدرج ضمن لغويات الجملة، يعني اللسانيات ، فقط على الرغم أن أكثر مفاهيم التحليل مستعارة منها …( 8 ) بل هي نظرية ، في الخطاب الأدبي ، لكل اللغات بشكل أعم .. فالصورة خطاب لها لغتها ، والمشهد الطبعي خطاب له لغته .. والتأشيرة خطاب له لغتها … والنظرة أو الالتفاتة خطاب لها لغتها … فإذا ما أخذنا مبدأ الخطية ، الحرفية ، في الخطاب التواصلي العادي ، فإننا نستبعد مسبقا أي وجود لتسلسل بنيوي احتمالي .. كما تذهب إلى ذلك النظرية الكلاسيكية … وفي هذه الحالة … فما الجدوى من محاولة تقطيعنا مثلا لأجزاء القصيدة أو لمتواليات النصوص السردية ، في بعض القراءات ، مادام أن المعنى مكشوفا عبر معطيات الخطاب نفسه …ومن ثمة فلا يوجد هنا ، سوى نوع من واحدية الخطاب، طالما أن النظرية التقليدية ، هاته أو الانطباعية تعمل على إقصاء وإزاحة فرضية التعدد في الممارسات المعنوية والدلالية ( 9 ) … لكن ومع هذا كله ، ورغم التنوع في وجهات النظر ، فإن جل النظريات ، ( بنيوية ، لسانية ،أسلوبية . تفكيكية . سيميائية … ) ، والتي تشترك في المسار السيميائي ، لأن حضور هذا الأخير فيها لا فكاك منه ، فإنها تذهب ، وتجادل لصالح ، تعدد المعنى والتنوع الدلالي بكيفية أو بأخرى … وهذا ما يسمح بأن نتصور وجودا لنوع من التعايش والتعاون بين التعدد في أنماط المعنى والدلالة في الخطاب الأدبي الإبداعي .. وبالتالي فهناك ، حتما أنماط من التماسك الوجيه في كل أجناس الخطاب الأدبي شعرا ونثرا …
ففي الأعمال الأدبية ، والتي يعد التماسك فيها ، شكلاً من أشكال الانسجام ، / “الاستبدالي” أو “البنيوي”، على مستوى المعطيات الفنية للخطاب ، والذي يختلف عن التماسك الاستدلالي الذي ينشأ هو الآخر عن تحديدات التفاعل بين العلامات المحملة على مستوى الانفتاح الخطابي الجمالي ، فإن هذه الأخيرة يمكن تأويلها بدورها على أنها نوع من الإدراج المادي أو المنطقي، أو التتالي الزمني، أو تنوع في العلاقة السببية. التي لها أثر ما … لأن أي أدبية سيميائية للخطاب لكي تكون قوية ووجيهة ، فالمطلوب منها أن تعتني أولا بمسألة التماسك الكلي للخطاب ، ( 10 ) من ثمة فإننا سنحاول ، بدءا أن نضع مسار التلقي في سياق الحوارات الحديثة حول تأويل اشتغال العلامات في الخطاب الأدبي .. انطلاقا من الرؤى والمواقف التي ركزت على ظاهرة التلقي ، والتعاون النصي ، ( 11 ) ثم التأويلات المتمحورة حول الأعراف والمذاهب الجمالية ، التأويلية … التي حاولت تغيير منظور التلقي حول فكرة استقلالية النص … حيث كانت الرؤى النصية تتمسك بقداسيتها وهيمنتها على مسارات التعامل مع المضامين التي يطرحها النص للتلقي … غير أننا اليوم ، لا نجد هذه الحساسيات النقدية الجديدة ، الموجه نحو التلقي اقتصارا فقط على هذا النوع من الفرضيات البنيوية لأنها تفقد قيمتها التأويلية الناجعة في تغييبها لعناصر أخرى لها دور أساس في مسارات تأويل الخطاب ، خاصة حين يواجه المتلقي إشكاليات معقدة للمعنى والدلالة … لأنها كانت تعمل على استبعاد المسؤول ( المبدع ) عن بناء النص وتنظيم مادته … ومن ثمة فلا غرو أن هذا التوجه الجديد سيعمل على إغناء مسارات الأدبيات السيميائية ، والدراسات الأدبية في تناول الخطاب الأدبي … بمساهماته المتنوعة … ومعه قد يتحرر الخطاب الأدبي ، من عقدة البنيوية الصرفة ، التي تعتمد على الهيمنة اللغوية الداخل نصية ، بشكل صارم .. ، إذن ، فهناك ظهور لتوجه جديد ، على مستوى الأدبيات السيميائية ، سيقود التلقي نحو تأمل أوضح لتأويل العلامات ، ولإدراك مسارات السيميوزيس المؤثثة لأكوان الخطاب .. مع استبعاد التركيز على التلقي الصرف لخصائص النص وحدها ومنحه الهيمنة والريادة في البحث عن مظان المعنى والدلالة .. ، بحيث يتم إخضاع المتلقي لمطالب النص فقط … وإهمال باقي عناصر تلقي الخطاب … وتبعا لأدبيات مناهج النظرية الجديدة ، أقصد التناول السيميائي ، والمحفزة لكينونات العلامات الخطابية ، فإنها دعت إلى توجه ، يتبنى أشكالا متنوعة ، من التحاور مع عوالم الخطاب الأدبي الإبداعي له حضور أكثر في مناجاة الرؤى الإبداعية ، باستحضار تنوع في مفهوم المتلقين مثلا.. كالمتلقي النموذجي ، الضمني ، الرئيسي … ( 12 ) كلها تحاول إخضاع فعل التلقي للتفاعل مع توجهات الخطاب ، وتعلن كل منها ، حسب رؤيتها النظرية ، وموقفها الأدبي ، على نوع من التكافؤ بين ما يعرضه الخطاب ، بناء على نوع البنية الفنية التي يعتمدها المبدع ، وبين ردود فعل التلقي الجمالي … ومن هنا لا داعي للتغني باستقلالية النص أو الخطاب التامة … لأن المبادئ الشكلية النصية قد فقدت هيمنتها المطلقة ، في التفكير النقدي، الذي استحدث مفاهيم حديث لمتلقي الخطاب ، بناء على أن علامات التلقي مبثوثة ، مسبقا ، في النص ، كونها مكتوبة ، .. لأن المبدع يكتب ، وهو يستحضر نوع متلقيه ويختار كفاءتهم ، ينتقي أداته التعبيرية التي لها القدرة على تمثيل آثار تجربته … ومع ذلك ، فإن للنص أو الخطاب نفسه ، حضور قوي في عرض المؤشرات الضرورية للتعامل مع الخطاب الأدبي بصفة عامة ، مما يوحي بوجود افتراض ضمني ، للمتلقي الكفؤ ، المتنزه عن الالتباس والخطإ ، والتشتت .. ( 13 ) له القدرة على التفاعل وبناء استدلالاته النصية أو الخطابية المتعددة أو البحث عن ….
محمد مهيم محمد … مكناس … المغرب
1 ) محمد مهيم محمد : الرؤيا الإبداعية … بين نبض التذويت … وغنج السيميوزيس ، مطبعة وراقة بلال .الطبعة الأولى . فاس . المغرب .

اترك رد