*ماذا تريد الخزانة الأميركية من النظام المصرفي العراقي؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
الإجابة السطحية أو الظاهرية هي: تفكيك اقتصاد الظل المرتبط بإيران والميليشيات، وإعادة هندسة النظام المالي العراقي ليكون شفافاً، خاضعاً للرقابة الدولية، ومحصناً ضد غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وكأنها تأتي ببرنامج تقني لتحسين الامتثال المصرفي، وتعزيز قواعد مكافحة غسل الأموال، وتنظيم التحويلات بالدولار. لغة بيروقراطية باردة، مليئة بمصطلحات مثل الشفافية، التدقيق، المستفيد النهائي، وسلامة النظام المالي.
أما الإجابة الاستراتيجية العميقة، فهي أبعد بكثير من مجرد “عقوبات”، بل هي لغة تخفي وراءها واحدة من أعقد عمليات إعادة تشكيل البنية الاقتصادية السياسية للدولة من بوابة المال. ما يجري ليس إصلاح قطاع مصرفي. إنه إعادة تعريف لمن يملك القدرة على الحركة داخل الاقتصاد العراقي.
*أولاً: التحول من العقوبات إلى إعادة هندسة النظام المالي*
التصريحات المنسوبة سابقاً إلى مبعوث ترامب للعراق، مارك سافايا، لا يمثل جولة عقوبات تقليدية، بل انتقالاً إلى مرحلة إعادة تشكيل النظام المصرفي العراقي نفسه. ويمكن فهمها في إطار مقاربة مختلفة عن مفهوم العقوبات التقليدية. فبدلاً من التركيز على إجراءات جزئية تستهدف جهات محددة، يبدو أن هناك توجهاً نحو تعزيز الأطر الفنية والتنظيمية المرتبطة بالعمل المصرفي.
الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بمعاقبة مصرف هنا أو رجل أعمال هناك، بل انتقلت إلى توجه جديد يركّز على عناصر فنية مثل: مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات، وتتبع شبكات التحويل، ورفع معايير الامتثال والرقابة بما يتماشى مع الممارسات الدولية. كما يُفهم منه السعي إلى معالجة الثغرات التنظيمية المرتبطة بالشركات غير الفاعلة أو ذات الهياكل المعقدة، وإعادة ضبط قواعد الامتثال والرقابة، بمعنى آخر. يبدو أن المرحلة الجديدة لا تتحدث بلغة العقوبات بقدر ما تتحدث بلغة الهيكلة والتنظيم، حيث يصبح التغيير في القواعد أهم من معاقبة اللاعبين داخلها.
*ثانياً: لماذا العراق تحديداً؟*
لثلاثة أسباب استراتيجية حسب تقديرات الإدارة الامريكية واتهامات خزينتها للعراق:
1- العراق بوابة الدولار لإيران: رغم العقوبات القصوى على إيران، بقي العراق منفذاً حيوياً لتدفق الدولار إلى إيران، وقناة تمويل لمشاريعها، وذلك من خلال: مزاد العملة، وشركات الاستيراد الوهمية، والمصارف المتواطئة.
2- اقتصاد الميليشيات أصبح بنية موازية للدولة: الولايات المتحدة ترى أن الحشد الشعبي لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل أصبح شبكة اقتصادية عابرة للمؤسسات تشمل: مصارف، وشركات مقاولات، واستثمارات زراعية. وهذا يخلق اقتصاداً موازياً، وخارج الرقابة، ومرتبطاً بمحور إيران.
3- خطر انهيار الثقة بالنظام المالي العراقي: الفجوة بين الأموال المحولة للاستيراد، والقيمة الفعلية للبضائع، وهذا يعني: أن العراق يعاني من أكبر عملية غسل أموال منظمة.
الخطاب الأمريكي يبني سردية أمنية مالية تفسر كل خلل اقتصادي كامتداد لنفوذ إقليمي.
بينما القراءة البديلة ترى أن جوهر الأزمة هو: ضعف في الحوكمة وفساد تجاري وقصور رقابي. وليس وجود نظام مالي سري موازٍ للدولة بالحجم الجيوسياسي الذي يُطرح.
*ثالثاً: السيطرة الامريكية عبر القواعد المالية*
في الظاهر، يبدو الخطاب الأمريكي محصوراً في عناوين فنية مثل الامتثال والشفافية ومكافحة غسل الأموال، وكأنه نقاش مهني يتعلق بإجراءات مصرفية بحتة. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن المسألة ترتبط ببنية القوة في النظام المالي العالمي، وتحديداً بمكانة الدولار داخل هذه البنية. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع عملتها كوسيلة تبادل فقط، بل كأداة نفوذ سيادي تمنحها قدرة استثنائية على المتابعة والتأثير ووضع القيود عند الحاجة.
ضمن هذا التصور، كل حركة دولارية عابرة للحدود تُعد جزءاً من شبكة تنظيمية واسعة تشرف عليها مؤسسات مالية ورقابية أمريكية. وعندما تظهر مناطق لا تخضع للرصد الكامل أو تتسم بهوامش مرونة عالية، فإنها تُفهم في واشنطن بوصفها نقاط ضعف في شبكة الضبط، لا مجرد خصوصيات محلية.
يبرز العراق هنا بوصفه ساحة تقاطع مالية مهمة بحكم اقتصاده النفطي واعتماده الكبير على الدولار في التجارة الخارجية، إضافة إلى موقعه الجغرافي واتصاله بأسواق وحدود متعددة. هذه العوامل تجعله، من منظور أمريكي، عقدة عبور تحتاج إلى تنظيم أدق، ليس انطلاقاً من افتراض الشبهة العامة، بل من زاوية إدارة المخاطر على مستوى النظام.
من هنا نفهم لماذا الخطاب يبدو أحياناً أكبر من حجم الوقائع المحلية. لأن الموضوع، في نظر صانع القرار الأمريكي، لا يتعلق ببنك عراقي أو شركة استيراد… بل بسؤال أكبر:
هل يبقى الدولار عملة تُدار من مركز واحد، أم تبدأ أطراف النظام بصنع مسارات جانبية؟
*رابعاً: ما الذي تريده الخزانة الأميركية عملياً؟*
1- إنهاء “هندسة التحايل” كما تعتقد امريكا والمقصود هو تطور الهندسة المالية العراقية من: معاملات فردية
إلى منظومة متكاملة تشمل سياسيين، ومصارف، وشركات، وميليشيات. الخزانة تريد كشف سلاسل التمويل، وتحديد المستفيد النهائي، وإغلاق المسارات الرمادية.
2- إخضاع كل تحويل مالي للتتبع الكامل من خلال: تعزيز دور الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، وتشديد معايير SWIFT، وفرض الإفصاح عن “المالك الحقيقي” للشركات. أي تحويل بدون شفافية يجب أن يرفض، وأي مصرف غير ممتثل، يجب أن يعزل.
3- تفكيك شبكة “الشركات المحروقة”: الولايات المتحدة باتت تدرك أن العقوبات على شركة واحدة لا تكفي لأن الشبكات تُغلق شركة، وتفتح أخرى باسم مختلف. لذلك انتقلت إلى استهداف المنظومة وليس الأفراد.
*خامساً: لماذا هذا التوقيت على العراق؟*
تتوقع الإدارة الامريكية حسب التقارير السياسية والاقتصادية التي تصل لها، ان العراق اليوم في لحظة هشّة. أسعار نفط متقلبة، وضغط على الدولار، وأزمة خدمات، وفساد بنيوي، وتشكيل حكومة جديدة، واستقطاب سياسي حاد، وأي عقوبات شاملة قد تؤدي إلى:
اقتصادياً: الى شلل في التحويلات، وارتفاع الدولار، وتراجع الثقة بالمصارف، وهروب رؤوس الأموال.
سياسياً: إحراج الحكومة الجديدة، وضغط أميركي لفك الارتباط مع إيران، ومعالجة ملف سلاح الفصائل.
اجتماعياً: غضب شعبي، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتحميل المصارف مسؤولية الانهيار

اترك رد