منبر العراق الحر :
لم تكن القضية الكوردية يومًا مسألة هامشية في تاريخ الدولة العراقية، بل شكّلت منذ تأسيس العراق أحد أعمدة الصراع حول طبيعة الحكم، وحدود الدولة، ومعنى المواطنة. فالكورد لم يطالبوا بالحقوق بوصفهم أقلية تبحث عن مكاسب ظرفية، بل كشعبٍ أراد شراكة دستورية عادلة داخل دولة متعددة القوميات. ولهذا، فإن أي مشروع حقيقي لوحدة العراق لا يمكن أن يقوم دون وحدة الصف الكوردي، ولا يمكن أن يستقر دون الاعتراف بالدور التاريخي للكورد في بناء الدولة ومقاومة الاستبداد.
واجه الكورد، إلى جانب قوى عراقية وطنية أخرى، أعتى الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت البلاد، وكانوا في مقدمة من دفع ثمن المطالبة بالحرية والدولة الدستورية. فمنذ ثورة أيلول عام 1961، مرورًا بحملات الأنفال وقصف حلبجة الكيميائي عام 1988، وصولًا إلى الانتفاضات الشعبية في تسعينيات القرن الماضي، تحوّلت المناطق الكوردية إلى ساحة مفتوحة للمواجهة مع مشروع الدولة الشمولية في بغداد ومع ذلك، لم يتحول هذا النضال إلى مشروع انعزالي، بل ظل مرتبطًا بفكرة عراق ديمقراطي تعددي يحتضن الجميع.
عندما سقط نظام صدام حسين عام 2003، برز الكورد بوصفهم القوة السياسية الأكثر استعدادًا للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة. في تلك اللحظة المفصلية، لعب كل من السيد مسعود بارزاني والرئيس الراحل مام جلال طالباني دورًا محوريًا في إعادة تأسيس العراق على قاعدة الشراكة لا الهيمنة، وعلى منطق الدستور لا الغلبة. فقد شارك الكورد بفاعلية في صياغة دستور 2005، الذي اعترف لأول مرة رسميًا بالطابع الاتحادي للعراق وبالتعدد القومي، وكرّس اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب العربية (دستور جمهورية العراق، 2005، المواد 1 و4 و117).
لم يكن انتخاب مام جلال طالباني رئيسًا للجمهورية عام 2005 مجرد تسوية سياسية ظرفية، بل لحظة رمزية فارقة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، جسّدت لأول مرة انتقال الرئاسة إلى شخصية كوردية منتخبة ديمقراطيًا، في دولة كانت حتى وقت قريب تقوم على الإقصاء القومي والتهميش المنهجي . كما لم يكن إصرار الرئيس مسعود بارزاني على ترسيخ الفيدرالية خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل رؤية استراتيجية لحماية وحدة العراق عبر إدارة التنوع بدل سحقه، وهو ما انعكس في دعم الإقليم المستمر للعملية السياسية رغم تعثرها وتناقضاتها.
لكن، وبعد أكثر من عقدين على التغيير، يواجه شعب إقليم كوردستان، مثلما يواجه العراقيون عمومًا، موجة مركّبة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. تأخر الرواتب، البطالة المتصاعدة، ضعف الخدمات، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة أصبحت سمات يومية في حياة المواطن، سواء في أربيل أو البصرة أو بغداد (البنك الدولي، تقرير العراق الاقتصادي، 2022؛ صندوق النقد الدولي، مشاورات المادة الرابعة للعراق، 2023). كما تحوّل الضغط المالي على الموظفين إلى أداة سياسية غير معلنة، تُستخدم في كثير من الأحيان لإعادة تشكيل موازين القوة بدل أن تكون وسيلة إصلاح حقيقي.
وفي مثال معاصر يعكس عمق الأزمة، تؤكد تقارير رسمية وحقوقية حديثة أن تأخر صرف رواتب موظفي إقليم كوردستان بات أحد أبرز مظاهر الخلل المالي والسياسي بين بغداد وأربيل. فقد وثّقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2026 أن آلاف الموظفين في الإقليم لم يتقاضوا رواتبهم في مواعيدها القانونية، ما دفع شرائح واسعة، خصوصًا في قطاعي التعليم والصحة، إلى الإضراب والاحتجاج وفي السياق ذاته، حذّر البنك الدولي من أن اعتماد العراق المفرط على النفط، واتساع كتلة الرواتب في الموازنة العامة، يجعلان أي اضطراب مالي خطرًا مباشرًا على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد .
في قلب هذه التحديات، تتعرض الساحة الكوردية لمحاولات منهجية لخلق فجوة داخل البيت الكوردي، عبر تضخيم الخلافات السياسية، وتغذية الانقسامات الإعلامية، واستثمار التباينات الطبيعية بين القوى الكوردية لتحويلها إلى صراعات وجودية. أطراف داخلية في بغداد، وأخرى في الإقليم، إضافة إلى قوى إقليمية، تدرك أن الكورد حين يكونون موحدين يتحولون إلى عامل استقرار في العراق، وحين ينقسمون يصبحون نقطة ضعف يسهل توظيفها في الصراعات الإقليمية والدولية .
تاريخ العراق الحديث يثبت أن فترات الاستقرار النسبي ترافقت غالبًا مع وحدة الموقف الكوردي، فيما جاءت لحظات الانكسار الكبرى نتيجة تفكك الشراكات الوطنية وتحوّل التنوع إلى صراع. كما يثبت أن الأنظمة الاستبدادية لم تبدأ يومًا بالقمع الشامل مباشرة، بل سبقه دائمًا ضرب القوى التعددية، وتفكيك التحالفات العابرة للهويات، وتحويل السياسة إلى لعبة صفرية .
اليوم، لا يواجه العراق خطر الانهيار الاقتصادي فقط، ولا أزمة الثقة السياسية وحدها، بل يواجه خطر فقدان الفكرة التي قام عليها بعد 2003: فكرة الدولة الجامعة القائمة على التعدد والشراكة والاعتراف المتبادل. وفي هذا السياق، لا تبدو الوحدة الكوردية مطلبًا داخليًا خاصًا بالكورد وحدهم، بل ضرورة وطنية عراقية من الدرجة الأولى، لأن أي تصدع في الصف الكوردي ينعكس مباشرة على توازن الدولة وعلى مستقبل النظام الاتحادي نفسه.
وحدة الكورد ليست مشروعًا ضد بغداد، ولا محاولة لعزل الإقليم عن الدولة، بل هي في جوهرها مشروع لحماية العراق من الانزلاق نحو مركزية فاشلة أو تفكك صامت. كما أنها ليست نداءً عاطفيًا ولا شعارًا إعلاميًا، بل استحقاق سياسي وأخلاقي في مواجهة لحظة إقليمية مضطربة تتراجع فيها الدول التي تعجز عن إدارة تنوعها، وتنهار فيها الأنظمة التي تستبدل الشراكة بالإكراه .
تجربة مسعود بارزاني ومام جلال طالباني تقدّم نموذجًا واضحًا في هذا السياق: قوة الكورد لم تكمن يومًا في قدرتهم على المواجهة وحدها، بل في قدرتهم على التحول إلى جسر وطني بين المكونات العراقية، وإلى صمام أمان في لحظات الانقسام الحاد. فقد نجحا، في أكثر المراحل تعقيدًا، في تحويل الهوية القومية من أداة صراع إلى عنصر توازن داخل الدولة، ومن قضية نزاع إلى ركيزة استقرار.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج العراق إلى كورد موحدين، كما يحتاج الكورد إلى عراق مستقر وعادل. مصير الطرفين لم يكن يومًا منفصلًا، ولن يكون. ومن هنا، تصبح وحدة الكورد ليست فقط أساس وحدة العراق، بل شرط بقائه دولة قابلة للحياة في منطقة تموج بالصراعات، وتسقط فيها الدول حين تغيب عنها الحكمة، وتفشل فيها النخب حين تستبدل الشراكة بالإقصاء.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر