من التصنيف إلى التفويض: كيف تُهندس واشنطن شرعية استخدام القوة …..الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….. قراءة في هندسة المنظومة القانونية للسياسة الأميركية ….

ما يجري في واشنطن اليوم لا يمكن اختزاله في قرارات إدارية أو تحديثات تقنية لقوائم التصنيف. نحن أمام عملية أعمق: إعادة هندسة مستمرة لشرعية استخدام القوة داخل منظومة قانونية متشابكة، تُدار بعناية وتُبنى تدريجياً قبل أن يظهر أثرها في الميدان.

الولايات المتحدة لا تبدأ استخدام القوة من نقطة الصفر. بل تبنيه قانونياً على مراحل: تصنيف، ثم تأطير قانوني، ثم تفويض مفتوح يمكن استدعاؤه عند الحاجة. هكذا تُدار القوة في السياسة الأميركية: لا بوصفها قراراً طارئاً، بل خياراً مُعدّاً سلفاً.

لفهم هذا المسار، لا بد من تفكيك أدواته الأساسية: التصنيفات، العناوين القانونية، والتفويضات التشريعية التي تشكّل مجتمعة هندسة الشرعية في النظام الأميركي.

أولاً: التصنيفات إدارة الخصم قبل مواجهته

🔲 SDGT – Specially Designated Global Terrorists

((جهات إرهابية عالمية مُدرجة بشكل خاص))

يصدر هذا التصنيف غالباً عن وزارة الخزانة الأميركية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، ويستند إلى أوامر تنفيذية رئاسية، أبرزها الأمر التنفيذي 13224.

وظيفته الأساسية:

  • تجميد الأصول المالية
  • حظر التعاملات المصرفية
  • معاقبة أي شخص أو شركة أميركية تتعامل مع الجهة المدرجة

هذا النوع من التصنيف لا يعني إعلان حرب، بل إدارة خصم اقتصادياً.

هو أداة ضغط تهدف إلى تقليص النفوذ وتجفيف الموارد.

 

بعبارة مختصرة:

«SDGT = خنق ماليدون تفويض قتالي ».

🔲 FTO – Foreign Terrorist Organizations

    ((منظمات إرهابية أجنبية))

الانتقال إلى تصنيف FTO يمثل قفزة نوعية.

يصدر هذا التصنيف عن وزارة الخارجية الأميركية بموجب قانون الهجرة والجنسية، ويترتب عليه:

  • تجريم أي دعم للجهة، حتى غير المالي
  • إلزام الحلفاء بالتعامل معها كمنظمة إرهابية
  • تعقيد أي تواصل سياسي أو دبلوماسي معها

لكن الأهم أن هذا التصنيف لا يستهدف الجهة وحدها، بل يُعيد تعريف البيئة المحيطة بها:

الدولة التي تحتضن،

الحكومة التي تتسامح،

والشركاء الذين يتعاملون.

كما أنه يُسهّل استخدام القوة العسكرية ضمن التفويضات القائمة، ويوفّر غطاءً قانونياً لأي استهداف لاحق.

 

ولهذا تحديداً:

« FTO = تصنيف سياسيأمنيعسكري شامل ».

 

هنا تبدأ هندسة الشرعية بالانتقال من العقوبات إلى الاحتمال الأمني.

ثانياً: العناوين القانونية من ينفذ القوة؟

      (تايتل 50 vs تايتل 10)

من يقود الضربةلا إن كانت ستحدث

🔴 Title 50 – الاستخبارات والعمليات السرّية

((عمليات استخبارية وسرّية، بقرار رئاسي مغلق))

 

  • يخص وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وأجهزة أخرى
  • يُنظّم ما يُعرف بـ covert action
  • العمليات تكون سرّية بالكامل
  • الرئيس يوقّع قراراً سرياً (Presidential Finding)
  • إشعار محدود للكونغرس (Gang of Eight)

 

🔴 Title 10 – وزارة الدفاع والجيش

((عمليات عسكرية علنية، بقواعد اشتباك وقوانين حرب))

 

  • الإطار القانوني للعمليات العسكرية العلنية
  • يخضع لقوانين الحرب واتفاقيات جنيف
  • يحتاج عادة إلى إخطار أو تفويض أوسع من الكونغرس

 

في الممارسة العملية، كثيراً ما تُخطط العمليات تحت Title 50 وتُنفذ بأدوات Title 10.

الفرق بينهما لا يحدد إن كانت القوة ستُستخدم، بل كيف ستُستخدم ومن سيتولى تنفيذها.

القوة هنا ليست قراراً مفاجئاً،

بل نتيجة ترتيب قانوني مُسبق.

القرار السياسي واحد،

لكن طريقة الإخراج تختلف.

ثالثاً: التفويضات الأساس الصامت للقوة

🔴 AUMF 2001 – تفويض الحرب على الإرهاب

صدر بعد هجمات 11 سبتمبر، وتحول إلى المظلة القانونية الأوسع لاستخدام القوة:

  • بلا سقف زمني واضح
  • بلا حدود جغرافية محددة
  • قابل للتأويل في تعريف العدو

 

استُخدم في أفغانستان، العراق، سوريا، اليمن، الصومال، وغيرها.

رغم الجدل المستمر، ما زال قائماً حتى اليوم،

ويمثل الركيزة الأساسية لأي عمل يُدرج ضمن الحرب على الإرهاب“.

 

🔴 AUMF 2002 – تفويض غزو العراق

 

صدر لغزو العراق، لكنه أُلغي رسمياً عام 2023.

غير أن إلغاءه لم يُنهِ قدرة واشنطن على العمل العسكري داخل العراق،

لأن تفويض 2001 الأوسع نطاقاً ما زال قائماً ويُستخدم كغطاء قانوني رئيسي.

🔴 AUMF 1991 – إرث حرب الخليج

 

تفويض قديم لتحرير الكويت.

أهميته اليوم محدودة، لكنه يُذكر ضمن تراكم الصلاحيات التاريخية.

هذه التفويضات لا تُنتج الحرب،

لكنها تجعلها ممكنة دائماً.

 رابعاً: 2025 – عندما يتغير تعريف العدو

في السنوات الأخيرة، توسّع نطاق استخدام التصنيفات لتشمل جهات داخل دول لا تُصنَّف رسمياً كدول معادية.

لأول مرة، تنتقل الحرب من العدو السني إلى الفصائل الشيعية العراقية المسلحة و إدراجها ضمن تصنيف FTO لا يعني إعلان حرب على الدولة التي تنشط فيها،

لكنه يعني نقلها من خانة إشكال أمني داخلي

إلى خانة عدو محتمل ضمن إطار الحرب على الإرهاب“.

 

هذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل نقلة نوعية:

  • بعد أن كان التركيز منذ 2001 على القاعدة ثم داعش
  • بات الإطار نفسه يُستخدم ضد جماعات مرتبطة بإيران
  • تكليف السنتكوم بحماية المصالح الأمريكية وحلفاءها  في العراق والمنطقة 

بهذه الطريقة، تتحول البيئة السياسية إلى مساحة قابلة للتعامل القانوني من منظور أميركي، حتى في غياب إعلان مواجهة رسمية.

هنا تكتمل عملية الهندسة:

التصنيف يهيئ المشهد،

العنوان القانوني يحدد الأداة،

والتفويض يوفر المظلة.

الخلاصة: شرعية مُهندسة لا قرار مرتجل

ما نراه اليوم ليس استعداداً آنياً للحرب،

بل بناءً تدريجياً لشرعية استخدامها.

التحول من SDGT إلى FTO

ليس إجراءً بيروقراطياً،

بل انتقال من إدارة المخاطر إلى توسيع خيارات القوة.

 

وعندما تُنجز هذه الهندسة،

لا تعود القوة قراراً طارئاً،

بل احتمالاً قانونياً جاهزاً للتفعيل.

 

هكذا تعمل واشنطن:

لا تبدأ بالقصف،

بل ببناء المسار الذي يجعل القصف خياراً منطقياً ومتاحاً عند الحاجة.

 

وفي هذه المسافة بين القانون والقوة،

تتشكل ملامح الصراع القادم.

 

اترك رد