منبر العراق الحر :
الملخص التنفيذي
يمثل قرار استخدام القوة في الولايات المتحدة اللحظة التي يتحول فيها ميزان الردع من إدارة الإدراك إلى فعل سيادي ملموس.
فإذا كان الردع يهدف إلى منع الحرب عبر التأثير في حسابات الخصوم، فإن قرار استخدام القوة هو اختبار الإرادة عندما يفشل المنع أو يصبح غير كافٍ.
ينطلق هذا الجزء من فرضية مركزية:
في الدولة العظمى، قرار استخدام القوة ليس فعلاً عسكرياً منفرداً، بل عملية مؤسسية معقدة تتداخل فيها الشرعية الدستورية، والهندسة التنفيذية، والتقدير الاستخباري، وحسابات التصعيد، وسقف التحمل السياسي، واستقرار النظام الدولي.
من أزمة الصواريخ الكوبية 1962، إلى العراق 2003، ومن عملية قتل أسامة بن لادن، إلى اغتيال قاسم سليماني، وصولاً إلى أوكرانيا 2022 وقصف قاعدة العديد، يتكرر نمط واحد:
القرار ليس عسكرياً خالصاً، بل سياسي–مؤسسي–إدراكي في آنٍ واحد ، لا يُقاس بقدرته على إصابة الهدف فقط، بل بقدرته على ضبط ما يأتي بعد الضربة.
أولاً: القرار السيادي بين النص الدستوري والواقع الجيوسياسي
يقسم الدستور الأميركي صلاحيات الحرب بين:
- الكونغرس: سلطة إعلان الحرب والتمويل
- الرئيس: القائد الأعلى للقوات المسلحة
لكن منذ الحرب العالمية الثانية، نادراً ما استُخدمت صيغة إعلان الحرب رسمياً.
بدلاً من ذلك، تطورت أدوات مرنة مثل:
- تفويض استخدام القوة (AUMF)
- قرارات الطوارئ
- العمليات المحدودة دون إعلان رسمي
هذا التطور أنتج ما يمكن تسميته:
“رئاسة الحرب الحديثة“
حيث تتوسع السلطة التنفيذية بفعل:
- سرعة التهديدات
- البيئة النووية
- متطلبات الردع الفوري
النص يوزع السلطة،
لكن الجغرافيا السياسية تضغط باتجاه تركيزها.
ثانياً: نموذج القرار تحت الظل النووي – أزمة الصواريخ الكوبية
عام 1962 واجه جون كينيدي أخطر اختبار نووي مباشر.
جون كينيدي لم يطلب إعلان حرب.
لم ينتظر تصويتاً تشريعياً.
لكنه لم يتصرف منفرداً.
الخيارات كانت:
- ضربة جوية فورية
- غزو شامل
- حصار بحري
شكل لجنة تنفيذية (ExComm)، ناقش الخيارات، وفضّل “الحصار البحري“ بدلاً من الضربة الجوية المباشرة.
لم يكن القرار عسكرياً فقط، بل:
- إدارة تصعيد
- قراءة نوايا
- حساب رد نووي محتمل
هنا يتجلى مبدأ أساسي:
القرار الناجح ليس الأكثر قوة،
بل الأكثر قدرة على منع الانفجار النظامي.
ثالثاً: خطورة التقدير الاستخباري – مشكلة اليقين المستحيل
“غزو العراق 2003 “
قرار غزو العراق بُني على تقدير بوجود أسلحة دمار شامل.
لاحقاً، تبيّن أن التقدير كان خاطئاً.
المشكلة لم تكن في المعلومة وحدها، بل في:
- تحيز تأكيدي
- ضغط سياسي
- قراءة مسبقة للنية
العبرة الاستراتيجية:
حين تتحول الاستخبارات إلى أداة لتبرير القرار،
تفقد قدرتها على تصحيحه.
والخطأ في التقدير قد يكون أخطر من الخطأ في التنفيذ.
رابعاً: بنية القرار – الفرد والمؤسسة .. من يضغط الزر؟
رغم الصورة الشعبية للرئيس كصاحب قرار منفرد،لكن القرار رسمياً يمر عبر:
- مجلس الأمن القومي
- وزارة الدفاع
- هيئة الأركان
- أجهزة الاستخبارات
- وزارة الخارجية
- المستشارين القانونيين
و فعلياً عبر طبقات متعددة:
- تقدير استخباري أولي
- تحليل عسكري للخيارات
- تقدير قانوني للشرعية
- حساب سياسي داخلي
- قراءة رد الفعل الدولي
لكن في النهاية، يُختزل في توقيع الرئيس.
هذا التوتر بين:
المؤسسة متعددة الطبقات
والفرد صاحب القرار النهائي
هو أحد أخطر عناصر النظام الأميركي.
مقارنة فلسفات رئاسية
- أوباما: ميل إلى التدرج والضبط العالي المخاطر
- بوش الابن: توسع استراتيجي تحت مظلة تفويض واسع
- ترامب: استعداد أكبر لاستخدام الضربات المحدودة عالية الرمزية .
النص واحد،
لكن فلسفة الاستخدام تختلف.
خامساً: إدارة التصعيد (إدارة السقف العالي)- بعد التنفيذ لا قبله..
مثال: اغتيال قاسم سليماني 2020
كل ضربة تفتح مساراً.
القرار كان عسكرياً دقيقاً،
لكن الأخطر كان ما بعده:
كان القرار رسالة استراتيجية لا عملية تكتيكية فقط.
السؤال الأخطر لم يكن:
هل ننجح في الضربة؟
بل:
كيف نمنع الرد من أن يتحول إلى حرب مفتوحة؟
هل سترد إيران مباشرة؟
هل ستهاجم قواعد؟
هل ستستخدم وكلاء؟
الرد الإيراني بقصف قاعدة عين الأسد كان محسوباً، ما سمح للطرفين بإعادة تثبيت العتبة دون انفجار شامل.
هذا نموذج لإدارة تصعيد ناجحة نسبياً.
سادساً: الضربة المحدودة – وهم السيطرة الكاملة..
مثال: ليبيا 2011
الضربات المحدودة مغرية لأنها:
- سريعة
- دقيقة
- منخفضة الكلفة نسبياً
لكنها تحمل مخاطرة بنيوية:
الخصم قد يقرأها اختباراً أولياً لا رسالة نهائية.
في ليبيا 2012
بدأ التدخل بحماية المدنيين،
ثم تحول إلى إسقاط نظام.
هنا نرى كيف يمكن لعملية محدودة أن تتوسع بفعل ديناميكيات ميدانية وسياسية.
سابعاً: Title 10 وTitle 50 – العلن والظل
الإطار القانوني الأميركي يميز بين:
- العمليات العسكرية التقليدية (Title 10)
- العمليات الاستخبارية السرية (Title 50)
هذا التمييز ليس تقنياً فقط، بل استراتيجي.
العملية العلنية:
- تعلن المسؤولية
- ترسل رسالة ردعية واضحة
- تحمل كلفة سياسية
العملية السرية:
- تمنح مرونة
- تقلل التصعيد العلني
- لكنها قد لا تنتج ردعاً ظاهراً
اختيار أحد المسارين جزء من هندسة القرار نفسه.
ثامناً: البعد الداخلي – الحرب والسياسة
حرب أفغانستان
أي قرار استخدام قوة يخضع لميزان داخلي:
- الرأي العام
- الكونغرس
- الانتخابات
- الإعلام
حرب طويلة بلا دعم داخلي تتحول إلى استنزاف استراتيجي.
في أفغانستان، لم يكن السؤال عسكرياً فقط،
بل سؤال استدامة سياسية.
تاسعاً : إدارة الرد بين الرمزية والتصعيد – قصف قاعدة العديد
الهجوم الصاروخي الذي استهدف قاعدة العديد في الدوحة خلال تصعيد إقليمي حاد شكّل اختباراً حساساً لإدارة القرار الأميركي.
القاعدة تمثل:
- عقدة عملياتية رئيسية
- رمز تمركز عسكري أميركي
- إشارة سياسية للحلفاء
السؤال لم يكن تكتيكياً فقط:
هل يُردّ بضربة واسعة؟
أم يُقرأ الهجوم كرسالة محدودة؟
في مثل هذه الحالات، يُبنى القرار على:
- نية الخصم
- مستوى التصعيد المقصود
- مخاطر توسيع المسرح
- انعكاسات الرد على تماسك التحالفات
الرد الانتقامي قد يرضي اللحظة.
أما الرد الاستراتيجي فيوازن بين الردع ومنع الانزلاق.
عاشراً: القرار في العصر النووي
أخطر ما يميز القرار الأميركي هو وجود القدرة النووية.
القرار النووي:
- مركزي
- سريع
- محدود في التشاور
- غير قابل للاسترجاع
هذا البعد يجعل “إدارة الخطأ“ أكثر أهمية من “إدارة الضربة“.
الحادي عشر : تقاطع قرارين نوويين –أوكرانيا 2022
الحرب في أوكرانيا تمثل تقاطع قرارين استراتيجيين:
- قرار روسي باستخدام القوة لتغيير التوازن
- قرار أميركي بعدم التدخل المباشر، مع دعم واسع النطاق
واشنطن واجهت معضلة:
التدخل المباشر قد يعني مواجهة نووية.
الامتناع الكامل يعني انهيار الردع الأوروبي.
فاختارت مساراً ثالثاً:
- دعم عسكري
- عقوبات اقتصادية شاملة
- تعبئة تحالفية
- دون اشتباك مباشر
هذا النموذج يُظهر أن:
قرار استخدام القوة في عصر التعددية النووية يُقاس بقدرته على منع التوسع النظامي للصراع.
الثاني عشر: مقارنة نماذج القرار بين القوى الكبرى
النموذج الأميركي
مؤسسة متعددة الطبقات + رقابة سياسية + سلطة رئاسية نهائية.
النموذج الروسي
مركزية عالية + سرعة قرار + غموض استراتيجي.
النموذج الصيني
قرار حزبي–عسكري طويل الأمد + حذر من التصعيد المباشر + تركيز على الردع بالمنع.
التباين لا يكمن في القدرة العسكرية،
بل في هندسة اتخاذ القرار.
الثالث عشر: حدود الاستخدام – وهم السيطرة الكاملة
الضربات المحدودة مغرية لأنها:
- دقيقة
- منخفضة الكلفة
- قابلة للتسويق سياسياً
لكنها تحمل مخاطرة بنيوية:
الخصم قد يراها اختباراً أولياً، لا رسالة نهائية.
المشكلة ليست في حجم الضربة،
بل في كيفية تفسيرها.
الرابع عشر: البعد النظامي – القرار كعقدة في شبكة عالمية
في عصر التعددية النووية،
لم يعد القرار سيادياً صرفاً.
كل ضربة تُقرأ في ثلاث طبقات:
- تكتيكية
- استراتيجية
- نظامية دولية
الخطأ في الطبقة الثالثة قد يتجاوز نية صانع القرار.
الخلاصة الاستراتيجية الثقيلة
قرار استخدام القوة في الولايات المتحدة هو لحظة توازن بين:
- النص الدستوري
- الهندسة المؤسسية
- التقدير الاستخباري
- فلسفة القيادة
- إدارة التصعيد
- تماسك التحالفات
- واستقرار النظام الدولي
الدولة العظمى لا تُختبر في قدرتها على الضرب فقط،
بل في قدرتها على معرفة متى تضرب،
ومتى تتوقف،
وكيف تمنع الضربة من أن تتحول إلى سلسلة غير قابلة للسيطرة.
في عصر التعددية النووية،
لم يعد القرار سيادياً صرفاً،
بل أصبح جزءاً من هندسة الاستقرار العالمي.
القرار الخاطئ لا يبقى محلياً،
بل قد يتردد صداه عبر النظام الدولي بأكمله.
الدولة العظمى قد تخطئ في الهدف،
لكنها لا تستطيع أن تخطئ في قراءة التصعيد.
الجسر إلى الجزء السادس
إذا كان هذا الجزء قد تناول هندسة القرار داخل الدولة،
وتقاطعه مع قرارات قوى كبرى أخرى،
واختباراته في ساحات متعددة،
فإن الجزء السادس سينتقل إلى السؤال الأوسع:
كيف تُدار المخاطر حين يصبح الخطأ في الحساب بين قوى نووية احتمالاً دائماً؟
الجزء السادس:
إدارة المخاطر بين القوى الكبرى: الردع في عصر التعددية النووية
هناك ننتقل من قرار الدولة
إلى هندسة الاستقرار العالمي نفسه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر