العراق بين نص الدستور وسيف التوافق ..معركة الرئاسات التي تُربك الدولة وتؤجل الاستقرار…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

أن أزمة اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في العراق ليست مجرد إشكال دستوري عابر ولا خلافاً سياسياً موسمياً يتكرر مع كل دورة انتخابية بل هي عقدة متجذّرة في بنية النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003 حين أعيد بناء الدولة على أسس التوازنات والتوافقات أكثر مما بُنيت على قواعد الأغلبية الواضحة والمعارضة المنظمة ومنذ إقرار دستور عام 2005 أصبحت آلية اختيار الرئاسات الثلاث ولا سيما رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء محكومة بتداخل النص الدستوري مع العرف السياسي ومع حسابات الكتل ومع اشتراطات الداخل وضغوط الخارج بحيث تحوّل الاستحقاق الدستوري إلى ساحة اختبار لإرادات متعددة تتصارع فيها الرؤى والمصالح قبل أن تتلاقى على تسوية غالباً ما تكون مؤقتة.
الدستور العراقي حدّد الإطار العام فانتخاب رئيس الجمهورية يتم من قبل مجلس النواب ويُكلّف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء لكن التجربة العملية أظهرت أن عبارة “الكتلة الأكثر عدداً” نفسها كانت محل جدل وتفسير وتأويل كما حصل بعد انتخابات 2010 حين تنافست قائمتا نوري المالكي وإياد علاوي على توصيف “الأكثر عدداً” ما أدخل البلاد في أزمة سياسية طويلة قبل أن تُحسم بتسوية معقّدة ومنذ ذلك الحين لم يعد السؤال : من الفائز انتخابياً ؟
بل : من يستطيع أن يجمع أكبر قدر من التفاهمات داخل البرلمان وخارجه؟
أما رئاسة الجمهورية فعلى الرغم من أن دورها التنفيذي محدود مقارنة برئاسة الوزراء إلا أن انتخابها كثيراً ما كان مؤشراً على طبيعة التحالفات الكبرى خصوصاً أن هذا المنصب جرى العرف على أن يكون من حصة المكوّن الكردي في حين تذهب رئاسة الوزراء إلى المكوّن الشيعي ورئاسة مجلس النواب إلى المكوّن السني وهذا التقسيم غير المكتوب الذي تكرّس منذ المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام البائد منح نوعاً من الطمأنينة التمثيلية لكنه في الوقت نفسه كبّل الحياة السياسية بمنطق المحاصصة وجعل الاستحقاقات الدستورية رهينة التوافق بين القوى الكبرى داخل كل مكوّن أولاً ثم بين المكونات ثانياً.
في أكثر من دورة انتخابية تعطّل انتخاب رئيس الجمهورية بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني داخل مجلس النواب إذ تحوّل النصاب إلى أداة ضغط سياسية تستخدمها الكتل لتعطيل الجلسات إلى حين الوصول إلى اتفاقات مسبقة وهنا يظهر التناقض بين النص وروحه؛ فالدستور أراد انتخاباً برلمانياً وفق آليات واضحة لكن الواقع السياسي فرض مفاوضات مطوّلة خارج قبة البرلمان بحيث يصبح التصويت في الجلسة النهائية مجرد إجراء شكلي لتكريس اتفاق تم التوصل إليه مسبقاً.
الأمر ذاته ينسحب على اختيار رئيس مجلس الوزراء حيث لا تكفي صفة “المرشح الأكبر عدداً” ما لم تحظَ الشخصية المرشحة بقبول إقليمي ودولي ضمني وبحد أدنى من الرضا الشعبي وبقدرة على موازنة مصالح القوى المسلحة والسياسية. لذلك رأينا كيف أن احتجاجات تشرين 2019 أطاحت بحكومة قائمة وفرضت معادلات جديدة وأدت إلى استقالة رئيس وزراء وتكليف آخرين في ظرف استثنائي في مشهد كشف هشاشة التوازنات التقليدية حين تصطدم بإرادة الشارع.
السؤال الجوهري : هل هذه العقدة قابلة للحل أم أنها قدر ملازم للنظام السياسي العراقي؟
من الناحية النظرية الحل ممكن إذا ما أُعيد النظر في فلسفة الحكم ذاتها. فالنظام البرلماني يفترض وجود أغلبية واضحة تحكم، ومعارضة تراقب وتحاسب لا شراكة شاملة تُذيب المسؤولية وتوزع السلطة على الجميع بحيث لا يُحاسَب أحد ولكن الانتقال من منطق التوافق الشامل إلى منطق الأغلبية السياسية يتطلب نضجاً حزبياً وثقة متبادلة بين المكونات فضلاً عن ضمانات دستورية وقضائية تمنع استفراد أي طرف بالسلطة.
كما أن تطوير قانون الانتخابات يلعب دوراً محورياً في تفكيك الأزمة؛ فكلما أنتج القانون برلماناً مجزأً بكتل صغيرة كثيرة تعقّدت عملية تشكيل الحكومة وطالت أمد المفاوضات أما إذا أفرزت الانتخابات كتلًا كبيرة ببرامج واضحة فإن عملية التكليف تصبح أكثر سلاسة وكذلك فإن ترسيخ مفهوم “المعارضة الوطنية” داخل البرلمان من شأنه أن يخلق توازناً صحياً بدلاً من أن تكون كل الكتل مشاركة في الحكومة ثم تختلف داخلها.
هناك أيضاً بعد ثقافي وسياسي لا يقل أهمية، يتمثل في الانتقال من عقلية الغنيمة إلى عقلية الدولة وما دام المنصب يُنظر إليه بوصفه مكسباً سياسياً أو رمزياً للمكوّن أو الحزب، ستبقى المفاوضات تدور حول الحصص لا حول البرامج أما إذا أصبح معيار الاختيار هو الكفاءة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة – من الاقتصاد إلى الأمن إلى العلاقات الخارجية – فإن مساحة الخلاف ستضيق تدريجياً.
لا يمكن إنكار تأثير العوامل الإقليمية والدولية في هذا الملف فالعراق بحكم موقعه الجيوسياسي وتاريخه الحديث ظل ساحة لتقاطع المصالح غير أن المبالغة في تعليق كل أزمة على شماعة الخارج تُغفل حقيقة أن الانقسام الداخلي هو ما يفتح الباب أمام التأثيرات الخارجية كلما كان البيت السياسي متماسكاً وقادراً على إنتاج تسوية وطنية خالصة تراجع هامش التدخل الخارجي.
إن أزمة اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء هي مرآة لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي وبمدى تحوّله من نظام توافقي اضطراري نشأ في ظروف استثنائية إلى نظام مؤسساتي مستقر يحتكم إلى قواعد واضحة لا تتغير بتغير موازين القوى. الحل ليس مستحيلاً لكنه يتطلب إرادة سياسية شجاعة تقبل بالمراجعة والإصلاح وتضع مصلحة الدولة فوق مصلحة الكتلة، ومفهوم المواطنة فوق منطق المكوّن.
قد تستمر العقدة في الدورات المقبلة إذا بقيت الأسباب ذاتها وقد تنفرج إذا ما تراكمت الخبرات وتعززت الثقة بين القوى السياسية ونضجت التجربة الديمقراطية العراقية بما يكفي لتنتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الاستقرار. فالعراق ليس بلداً عاجزاً عن إنتاج الحلول لكنه بلد يحتاج إلى اتفاق واضح على أن الدولة أكبر من الجميع، وأن الرئاسات ليست غاية بحد ذاتها بل أدوات لخدمة شعب يتطلع إلى حكومة مستقرة ورئيس جمهورية ضامن للدستور ورئيس وزراء قادر على ترجمة تطلعات العراقيين إلى واقع ملموس. وبين التعقيد والأمل تبقى الإجابة مفتوحة على إرادة الفاعلين السياسيين : إما أن تبقى العقدة تتجدد مع كل استحقاق، أو أن تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وترسيخ قواعد حكم أكثر وضوحاً وعدالة واستقراراً.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد