من الغموض إلى المنع:  متى تقرر واشنطن ضرب إيران؟ الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

في إطار العقيدة الأميركية لاستخدام القوة، يمثل ملف إيران الاختبار الأكثر حساسية لمنطق “المنع قبل الاكتمال”.

فالمسألة لا تتعلق فقط ببرنامج نووي، بل بلحظة يتحول فيها التهديد من احتمال تقني إلى واقع عملياتي.

أولاً: لماذا لا يُختزل القلق الأميركي في التخصيب فقط؟

التركيز الإعلامي غالباً يكون على:

• نسبة التخصيب

• مخزون اليورانيوم

• أجهزة الطرد المركزي

لكن في الحسابات العسكرية الأميركية، هناك عنصر موازٍ لا يقل خطورة:

القدرة على الإيصال.

البرنامج النووي بلا وسيلة إيصال بعيدة المدى يمثل تهديداً إقليمياً.

لكن برنامجاً نووياً مقترناً بصواريخ باليستية بعيدة المدى يغيّر المعادلة جذرياً.

هنا يدخل ملف:

• الصواريخ الباليستية متوسطة وبعيدة المدى

• تطوير منصات إطلاق متعددة

• تحسين الدقة والقدرة على المناورة

• احتمالية تطوير مركبات عودة قادرة على حمل رؤوس غير تقليدية

التهديد في الحساب الأميركي ليس “رأساً نووياً” فقط،

بل نظاماً متكاملاً:

رأس + صاروخ + منظومة إطلاق + عقيدة استخدام.

ثانياً: متى تتحول المعادلة إلى ضربة استباقية؟

في العقيدة العسكرية الأميركية، الضربة الاستباقية لا تُبنى فقط على امتلاك الخصم قدرة، بل على ثلاثة شروط متزامنة:

1. اقتراب من العتبة التشغيلية (وليس النظرية).

2. مؤشرات على نية تسليحية فعلية.

3. اقتران القدرة النووية بوسيلة إيصال استراتيجية موثوقة.

إذا رأت واشنطن أن إيران:

• تجاوزت العتبة التقنية نحو تصنيع رأس حربي قابل للتركيب،

• وامتلكت منصة إيصال بعيدة المدى ذات موثوقية،

• وقلّصت زمن الإنذار إلى مستوى حرج،

فهنا يدخل خيار الضربة الاستباقية في الحساب الجدي.

ثالثاً: الفرق بين “الاحتواء النووي” و”منع القدرة”

الولايات المتحدة تاريخياً احتوت قوى نووية (مثل كوريا الشمالية).

لكن إيران حالة مختلفة لعدة أسباب:

• تموضعها الجغرافي في قلب الخليج.

• شبكة وكلائها الإقليمية.

• قربها من إسرائيل.

• قدرتها على تهديد الممرات البحرية الحيوية.

إذا أضيف إلى ذلك صاروخ باليستي بعيد المدى قادر نظرياً على حمل رأس غير تقليدي،

فإن المعادلة تنتقل من:

احتواء محتمل

إلى

منع قبل الاكتمال.

المنع يختلف عن الردع.

الردع يقبل بوجود السلاح.

المنع يرفض الوصول إليه.

رابعاً: هل الضربة ممكنة عملياً؟

عسكرياً، القدرة موجودة:

• ضربات دقيقة متعددة الموجات

• استهداف منشآت تخصيب

• تعطيل بنى تحتية صاروخية

• عمليات مركبة سيبرانية-جوية-خاصة

لكن السؤال لا يتوقف عند التنفيذ،

بل يبدأ بعده.لكن المشكلة ليست في القدرة،

بل في النتائج.

الضربة الاستباقية قد تؤدي إلى:

• رد إيراني إقليمي واسع.

• تفعيل شبكات الوكلاء.

• استهداف قواعد أميركية في الخليج.

• تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

المنع العسكري لا يُنهي الأزمة…بل يعيد تشكيلها، لذلك يبقى الخيار على الطاولة… لكنه غير مُفعّل.

خامساً: الصواريخ الباليستية كعامل تسريع للقرار

إذا ظل البرنامج النووي منفصلاً عن وسيلة إيصال استراتيجية فعالة،

يمكن للغموض أن يستمر.

لكن إذا اقتربت القدرة على:

• إنتاج رأس قابل للتصغير،

• ودمجه مع صاروخ بعيد المدى ذي دقة محسّنة،

فإن زمن القرار الأميركي يتقلص.

هنا يصبح الغموض أكثر هشاشة.

وعندها يصبح الانتظار أكثر خطورة من الفعل.

سادساً: إسرائيل والعامل الضاغط

أي تحليل صريح لا يمكن أن يتجاهل أن:

إسرائيل تعتبر اقتران النووي بالصواريخ تهديداً وجودياً.

الولايات المتحدة تأخذ هذا العامل في حساباتها،

لكنها لا تُسلّم تلقائياً بمنطق الضربة الفورية.

الفارق بين واشنطن وتل أبيب هو في:

• تقدير التوقيت

• حساب الرد الإقليمي

• كلفة ما بعد الضربة

سابعاً: هل يوجد خط أحمر فعلي؟

الولايات المتحدة لا تعلن خطاً أحمر رقمياً واضحاً،

لأن الإعلان يقيّد هامش المناورة.

لكن الخط غير المعلن يدور حول:

اقتران القدرة النووية القابلة للاستخدام

بوسيلة إيصال استراتيجية قابلة للنشر.

هذا هو التحول النوعي الذي قد يُنهي الغموض.

ثامناً: السيناريو الأكثر جرأة

السيناريو الأكثر حساسية ليس ضربة شاملة،

بل ضربة محدودة مركّزة تستهدف:

• مواقع محددة في دورة الوقود النووي

• مراكز تطوير صاروخي متقدمة

• منشآت بحثية حساسة

• عُقد القيادة والسيطرة (C2 – Command and Control)

دون إعلان حرب مفتوحة.

هذا النوع من العمليات يندرج غالباً ضمن:

مزيج بين Title 10 و Title 50

حيث تُدار الرسالة بعناية لتجنب التصعيد الكامل.

المقصود بـ C2 منظومة القيادة والتحكم التي تدير القرار العسكري والأمني،

وتنسّق بين الوحدات،

وتتحكم في إصدار الأوامر،

وتشرف على إدارة الرد.

استهداف هذه البنية لا يعني فقط ضرب قدرة مادية،

بل محاولة إرباك آلية اتخاذ القرار والتنسيق العملياتي.

لكن توسيع بنك الأهداف ليشمل مفاصل القيادة العليا

ينقل الضربة من مستوى “تعطيل برنامج”

إلى مستوى “إرباك بنية الدولة الأمنية”.

وفي الحسابات الكبرى،

ضرب القدرة يختلف عن ضرب مركز القرار؛

فالأول يمكن احتواؤه،

أما الثاني فقد يُقرأ كتهديد وجودي.

وهنا يرتفع خطر الانزلاق من عملية محدودة

إلى صراع إقليمي مفتوح.

الخاتمة

في الحسابات الكبرى، لا تُخاض الحروب لأن العدو قوي،

بل لأن الزمن ضاق.

واشنطن لا تبحث عن حرب مع إيران،

لكنها لا تقبل بإيران نووية تشغيلية مقترنة بصاروخ بعيد المدى.

القرار الأميركي ليس سؤال قدرة…

بل سؤال توقيت.

الغموض سيبقى قائماً ما دامت العتبة لم تُجتز بالكامل.

أما إذا اقترن الرأس بالصاروخ،

وأصبح التهديد قابلاً للنشر لا مجرد احتمال،

فلن يبقى في المعادلة سوى القرار.

الغموض الأميركي ليس تردداً؛ إنه انتظار محسوب. لكن إذا اجتمع الرأس بالصاروخ، فلن يبقى في المعادلة سوى القرار.

اترك رد