منبر العراق الحر :لقد كان للصراع العربي-الإسرائيلي، كما يسمى، الذي نشأ بنشوء دولة الكيان الصهيوني… مع الصراع العالمي الذي سميّ بالحرب الباردة…دورا كبيرا في إجهاض التطور التاريخي الاجتماعي الطبيعي في هذا البلاد نحو الحداثة العصرية ومفرداتها السياسية والاقتصادية، بنشوء الدولة الوطنية الحديثة، وساهم بانحرافه إلى التقهقر وبعث الصراعات المذهبية الدينية وعلى رأسها الصراع السني-الشيعي في المنطقة…
فمنذ نشوء دولة اسرا ئيل نشأت الحرب على هذه البلاد:
– لقد كان تأسيسها حاجة استعمارية للدول الكبرى في السيطرة على منابع الطاقة في الخليج، من بريطانيا إلى أميركا حاليا، وهي القاعدة البشرية العسكرية المتقدمة لمنع ظهور أي دولة قوية حديثة…
– لقد كان لها دورا سياسيا غير مباشر في تشكيل الأنظمة السياسية في البلاد المحيطة بها على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى (ما بعد الاستقلال):
منذ نشوئها وتهديدها لجميع البلدان قدمت ذريعة سياسية مبررة لقيام الانقلابات العسكرية ووصول العسكر إلى الحكم تحت عنوان أن البلاد في حالة حرب ودفاع عن النفس…
المرحلة الثانية (نشوء الحرب العالمية الباردة):
بنشوء الأنظمة العسكرية الحزبية الشمولية في ظل الاستقطاب الدولي بين الاتحاد السوفياتي ومحور الغرب الأمريكي، وقد كان الصراع العربي – الإسرائيلي بيئة استثمار للأنظمة السياسية في تبرير حكم الطوارئ والأجهزة الأمنية وسباق التسلح على حساب التنمية البشرية والاقتصادية وبناء الدولة الحديثة بذريعة السعي للتوازن الاستراتيجي، مستفيدة من الحماية الدولية الروسية وتبريد الصراع في ثلاجة الحرب الباردة…
وفي المرحلتين:
كان هناك مراهقة سياسية عسكرية تقودها أحزاب وقيادات بشهوات سلطوية تسلطية، أمعنت في تحويل الدول لمزارع فساد وأبراج استبداد، باسم أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وكانت أهم قضية هي الحفاظ على كرسي الحكم وتحويلها إلى كرسي عائلية مع بعث الموروث الديني المذهبي العشائري والإمساك بوحدة البلاد بالكلس الأمني الحزبي…
المرحلة الثالثة (مرحلة القطب الواحد):
التي بدأ فيها تداعي أساسات المرحلة السابقة بسقوط الأنظمة الشمولية العسكرية المحسوبة على الاتحاد السوفياتي، وما سبق السقوط من تأسيس للصراع الديني المذهبي في المنطقة، بنشوء دولة ولاية الفقيه بإيران ودولة الطالبان في أفغانستان، وما بينهما من نفير للهويات المذهبية والعرقية في كل المنطقة المحيطة بدولة اسرا ئيل.
لقد كان لتأسيس فكرة الوطن فيها على أساس ديني، بنبش خريطة لدولة يهودية في مقبرة التاريخ وإعادة تأهيلها عقائديا وسياسيا، دورا غير مباشر في تحويل الصراع العربي-الإسرائيلي إلى صراع ديني حيث اكتمل النصاب لذلك…
وتحولت المنطقة إلى نفير من الهويات التاريخية لدول دينية مذهبية قامت في الماضي واندفنت فيه، وعلى رأس ذلك الإسلام السياسي بطرفيه الشيعي والسني، في ظل غياب الدولة الوطنية الحديثة الجامعة…
حيث نشهد عودة التاريخ بأنبيائه المحاربين والمنتظرين كوقود عقائدي لأخذ الناس كقبائل وقطعان إلى الحروب بمعية آلهتهم والتي هي بمضمونها صراعا على السلطة باسم الدين…
ولا يخدم ذلك سوى تشريع وديمومة دولة الكيان الصهيوني وسيطرة القطب الواحد على مصادر الطاقة…
فالإسلام كدين لم يعد واحدا بل أضحى طوائف متناحرة في السياسة وأي مشروع سياسي على أساس الدين سيجد عدوه في غريمه المذهبي ولن يحقق سوى مصلحة العدو المتربص بكل الطوائف والمذاهب ودمار البلدان وموت الناس…
فلقد احتاجت اسرا ئيل في بداية تأسيسها لمتحدات اجتماعية بشرية يهودية كمدن وقرى لتؤسس كيانها، فكانت في البداية السوفخوذات والكولخوذات ومن ثم المستوطنات ومن ثم تل أبيب وغيرها فهي تشعر حتى الآن أن المدن القائمة منذ أول التاريخ كحيفا ويافا والقدس والجليل لا تعطيها الشرعية الوطنية…
وإسرائيل التي تسوّق نفسها، أنها دولة علمانية، هي حقيقة دولة أساسها التعبيري ديني، لكن دولتها تقوم على التطور العلمي والإدارة الحديثة وحقوق الإنسان التي تتعاطى مع غير اليهودي كرعايا بحقوق مدنية شخصية لكن بدون حقوق سياسية غير تأييد وجودها كما المهاجرين لدول غربية ويحصلون على إقامة بدون جنسية فهي حتى الآن بلا دستور ولا تعيين لحدودها…
والعلمانية والديمقراطية أول ما يميزها هو أساسها التعبيري الوطني التي تطورت في سياقه التاريخي لترجمة العقد الاجتماعي الذي يصب في مصلحة المواطنة ودولة الوطن وليس دولة الدين والأساس الديني…
فليس هناك من بدعة وشعوذة إيديولوجية أكثر من أن نقول علمانية يهودية أو سنية أو علوية أو مسيحية أو درزية….
العلمانية أساسها الاجتماعي التعبيري وطني إنساني على حياد مع الأديان والمذاهب وليس أساسها ديني مذهبي عنصري…
هذه الدولة طريقة نشوئها وطبيعة كينونتها ووظيفتها هي دولة لجيش ما برح يشن الحروب والهجوم منذ تأسيسه برعاية الدول الكبرى وتسميه جيش الدفاع…
هذه الدولة لن تنتهي إلا حين تنتهي وظيفتها التي صُنعت من أجلها ومن يخدم استمرارها هو ما سلكته الأنظمة السياسية التي لم يكن يهمها غير كرسي الحكم على أساس الفساد والاستبداد بكل أشكاله وغير المشاريع السياسية الدينية المذهبية التي لا تنتج سوى الحروب بين طوائف الدين والوطن الواحد…
هذه الدولة في همجيتها وعدوانها وارهابها المنظم الدائم والمستدام وأدواتها تلك من أنظمة ومشاريع ساهمت في نمو مسارب عصبية للوزة الدماغية لعقول أجيال من الخوف والرعب والعدائية كما يقول علماء النفس…
هذه الدولة التي صنعتها الدول الكبرى جعلوا منها أكبر محرقة لليهود…
هذه الدولة وداعموها اليوم تهيمن على كامل المنطقة ليس بفعل القوة والدعم لها بقدر ما خدمتها الأنظمة السياسية الفاسدة المستبدة المذهبية وغير المذهبية…
حريّ بنا كنخب أن نفكر كيف نواجه، ولا سبيل لمواجهة ناجحة، إلا ببناء مقومات القوة المادية والروحية لبلداننا ببناء دول وطنية حديثة، ولن تنفع ولم تنفع العنتريات اللفظية والعسكرية والشعارات الخلّبية والنفاق على الشعوب ومقولة: أنا أعمى ما بشوف أنا ضرّاب السيوف…
==
منبر العراق الحر منبر العراق الحر