منبر العراق الحر :
تنطلق هذه الرؤية من تحويل السؤال التقليدي: «أيهما أصل في اللغة: الاسم أم الفعل؟» إلى سؤال أدق: «ما المعيار الذي تُحكم به أصالة البنية اللغوية؟». إذ إن الاحتكام إلى الثبات (في الاسم) أو الحركة (في الفعل) لا يكشف عن الأصل، لأنه يصف حال البنية لا علّة وجودها. وعليه يُستبدل هذا المعيار بمعيار أعمق هو الضرورة التداولية؛ فما كان وجوده لازمًا لتحقق وظيفة اللغة فهو الأصل، وما نشأ لخدمة هذا اللازم فهو تابع.
بناءً على ذلك، تُفهم اللغة أولًا من حيث وظيفتها: التواصل، وأصل التواصل هو الإخبار، وموضوع الإخبار في جوهره هو الحدث. فاللغة لم تُنشأ لتعريف الذوات من حيث هي ذوات، بل لنقل ما يقع: وقوع فعل، أو طلب وقوعه، أو النهي عنه. ومن ثمّ يكون الفعل—باعتباره تجلي الحدث في الزمن—هو البنية المركزية التي عليها يدور الخطاب: أمرًا («افعل»)، ونهيًا («لا تفعل»)، وخبرًا («فعل/يفعل»). وهذه البنية تتوافق مع ما قرره النحاة من اقتران الفعل بالزمن والحدوث[1]، غير أن الرؤية هنا تنقل هذا الاقتران من مستوى الوصف إلى مستوى الأصالة الوظيفية.
غير أنّ تحقق الإخبار بالفعل لا يستغني عن تعيينٍ يرفع الإبهام: من فعل؟ وعلى من وقع الفعل؟ وأين؟ وبماذا؟ هنا تظهر الأسماء بوصفها آليات تعيين تضبط مجال الحدث وتحدد أطرافه. فالاسم، في هذا التصور، ليس أصلًا مستقلاً، بل ضرورة إجرائية استدعتها مركزية الفعل. وهذا لا يناقض ما ذهب إليه جمهور النحاة—ومنهم سيبويه—من عدّ الاسم أصلًا من جهة البناء[2]، بل يعيد تأويله من زاوية أخرى: زاوية الوظيفة لا التركيب.
ويترتب على ذلك التمييز بين السبق الزمني والأصالة الوظيفية؛ فقد يتقدم شيء في الوجود أو في الإدراك، ومع ذلك لا يكون أصلًا في البنية. فالأصالة تُقاس بما لا تستقيم الوظيفة بدونه. وبما أن اللغة—من حيث هي أداة تواصل—لا تقوم إلا بنقل الحدث أو توجيهه، فإن الفعل يظلّ شرطها اللازم، بينما الأسماء شروطٌ متممة لضبط هذا النقل. وهذا قريب—من حيث الروح—من التصورات اللسانية الحديثة التي ترى أن الجملة تُبنى حول بنية حدثية (Event Structure)[3].
ويتسع هذا التصور ليشمل مستوى أعمق من الدلالة. فالتسمية لا تقع على عدم، بل على ما دخل حيّز الإدراك والتأثير؛ أي على ما وقع عليه فعل في الوجود. ومن ثمّ يمكن فهم الاسم—لا من حيث اشتقاقه الصرفي فحسب—بل من حيث دلالته العميقة—على أنه أثرٌ لحدث سابق. وهذا يلتقي مع ما قرره ابن جني من أن «أكثر اللغة مجاز»[4]، أي أنها لا تعكس الأشياء مباشرة بل آثارها في الذهن، كما ينسجم مع التصورات الفلسفية التي تجعل المعنى نتاجًا للتجربة لا معطًى سابقًا عليها[5].
ويجد هذا البناء صداه في أنماط الخطاب الموجِّه للفعل—ومنها الخطاب الديني—حيث يغلب توجيه الإنسان إلى أفعالٍ مطلوبة أو منهيّ عنها، أو يُخبَر بأحداثٍ سابقة ولاحقة. وتأتي الأسماء في كثير من مواضعه لتعيين الفاعلين والوقائع وتجسيدها تاريخيًا ونموذجيًا، مع بقاء أصل التوجيه متعلّقًا بالفعل. ومع ذلك، ينبغي الاحتراز من التعميم؛ إذ إن بعض الأسماء تحمل حمولة دلالية مستقلة (كالأسماء الدالة على الصفات والقيم)، وهو ما أشار إليه المتكلمون في مباحث الأسماء والصفات[6].
خلاصة القول: إذا اعتُمد معيار الضرورة التداولية، أمكن تقرير أن الفعل هو الأصل الوظيفي في اللغة لأنه يحقق غايتها في الإخبار والتأثير، وأن الاسم ضرورة تعيينية نشأت لضبط أطراف الحدث وتمكينه من التداول. وبهذا تنتقل اللغة من كونها «نظام تسمية» إلى كونها «نظام أحداث»: الفعل فيه محور الدلالة، والاسم أداة تثبيتٍ وإحالة، والقول كلّه بنيةٌ لوقوعٍ يُنقل أو يُطلب أو يُنهى عنه.
الهوامش
[1] ينظر: ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، باب الفعل وتعريفه.
[2] سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، باب تقسيم الكلم.
[3] ينظر: تشارلز فيلمور (Charles Fillmore)، نظرية الأدوار الدلالية (Case Grammar)؛ وكذلك راي جاكندوف (Ray Jackendoff)، في بنية الحدث (Event Structure).
[4] ابن جني، الخصائص، باب في المجاز.
[5] ينظر: جون لوك، مقال في الفهم البشري، باب اللغة؛ وكذلك لودفيغ فيتغنشتاين، بحوث فلسفية، في معنى الاستعمال.
[6] ينظر: أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، باب الأسماء والصفات.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر