منبر العراق الحر :
لم تعد الحروب الحديثة حكراً على الجيوش النظامية والتقنيات الباهظة. فقد فرضت الطائرات بدون طيار، أو “الدرون”، نفسها لاعباً أساسياً في ساحات القتال، من شرقي أوكرانيا إلى الممرات البحرية الحسّاسة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
هذه الطائرات، التي يمكن شراؤها بسهولة من الأسواق التجارية، تجمع بين انخفاض التكلفة والفاعلية الميدانية، ما يجعلها أداة مثالية للحروب غير المتكافئة. وبكلفة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، يمكن لطائرة واحدة أن تُحدث تأثيراً ميدانياً ملموساً.
التمويل الخفيّ: من الحسابات المصرفية إلى البلوكشين
في موازاة هذا التحول العسكري، برزت العملات المشفّرة كأداة تمويل جديدة تدخل تدريجياً في شبكات شراء الطائرات بدون طيار. ورغم أن الأنظمة المالية التقليدية لا تزال تهيمن، فإن البلوكشين بات يُستخدم بطريقتين:
الطريقة الأولى: قبول المصنّعين الدفع بالعملات المشفّرة مباشرة.
الطريقة الثانية: وسطاء ومنصّات تجارة إلكترونية تتيح إتمام الصفقات بطرق يصعب تتبّعها.
لكن المفارقة تكمن في أن هذه “السرية” النسبية تقابلها شفافية تقنية، إذ تتيح البلوكشين تتبّع حركة الأموال وتحليلها بدقة.
“ازدواجية الاستخدام”: حين يصبح الدرون سلاحاً، تكمن الإشكالية الأساسية في الطبيعة المزدوجة لهذه التكنولوجيا. فالطائرة نفسها التي تُستخدم لتصوير حفل زفاف، يمكن تعديلها بسهولة لتتحول إلى أداة قتالية.
والمكوّنات متاحة للجميع:
كاميرات
بطاريات
أنظمة تحكم
لكن الفرق الحقيقي لا يكمن في المنتج، بل في المستخدم النهائي.
حملات تبرّع… تتحول إلى قدرات قتالية
من أبرز مظاهر هذا التحول لجوء مجموعات مسلحة، ولا سيما تلك الموالية لروسيا، إلى إطلاق حملات تمويل عبر العملات المشفّرة. وقد نجحت هذه الحملات في جمع ملايين الدولارات، التي استخدمت في شراء طائرات استطلاع، مكونات إلكترونية، ومعدات دعم لوجيستي. وفي ظل انخفاض تكلفة الدرون، يمكن لحملة تبرّعات واحدة أن تتحول مباشرة إلى قدرة عملياتية على الأرض.
“بصمة المال”: كيف تكشف البلوكشين هوية المشترين؟
لم تعد العملات المشفّرة مجرد وسيلة دفع، بل أصبحت أداة تحليل استخبارية. فمن خلال تتبّع مصادر الأموال، يمكن استخلاص مؤشرات مهمة:
تمويل قادم من منصات روسية غير خاضعة للرقابة قد يشير إلى ارتباطات روسية.
تدفقات مالية من خدمات إيرانية قد تعكس شبكات مرتبطة بطهران
كما أن تكرار تحويل مبالغ متطابقة قد يدلّ على عمليات شراء منظمة، أقرب إلى سلاسل إمداد عسكرية منها إلى معاملات فردية. وتكشف دراسة بعض الشركات المصنّعة للطائرات بدون طيار، الخاضعة للعقوبات، عن نمط لافت. فإحدى هذه الشركات عرضت طائرات بسعر ثابت نسبياً، ما سمح للمحلّلين برصد:
تحويلات متكررة بنفس القيمة
جهة واحدة تقف خلف معظم العمليات
نشاط مالي يوحي بوجود مشترٍ مؤسسي
هذا النمط يعكس انتقال استخدام العملات المشفّرة من التبرعات الفردية إلى صفقات أكثر تنظيماً.
العملات المشفّرة في إيران أداة للالتفاف على العقوبات
في نموذج أكثر تطوراً، ذهبت إيران إلى حدّ استخدام العملات المشفّرة بشكل علني في تسويق معدات عسكرية، بما في ذلك الطائرات بدون طيار، ما عكس تحولاً لافتاً في استخدام العملات المشفّرة كحلّ بديل إلى حدّ الاعتماد عليها كأداة استراتيجية لتجاوز العقوبات. وتظهر البيانات ارتباط عمليات الشراء بمصادر تمويل إيرانية، مع ارتفاع النشاط خلال فترات التصعيد العسكري.
بين الشفافية والخطر: البلوكشين كسلاح مزدوج
رغم أن حجم التمويل العسكري عبر العملات المشفّرة لا يزال محدوداً مقارنة بالاقتصاد الحربي التقليدي، فإن أهميته تكمن في بُعد آخر، حيث يوفر:
إمكانية تتبّع شبه فورية
كشف شبكات معقّدة
فهم أعمق لسلاسل التوريد
بمعنى آخر، هو ليس مجرّد وسيلة تمويل، بل أيضاً أداة مراقبة.
في المحصلة، تتسارع وتيرة النزاعات في العالم، حيث تبدو الطائرات بدون طيار نموذجاً لحروب منخفضة الكلفة وعالية التأثير. ومع دخول العملات المشفّرة على الخط، يتعقّد المشهد أكثر، بين محاولات الالتفاف على العقوبات من جهة، وقدرة غير مسبوقة على التتبع من جهة أخرى. وهكذا، لا تعيد التكنولوجيا رسم ملامح الحرب فحسب، بل تكشف أيضاً خفايا تمويلها.
وكالات….النهار
منبر العراق الحر منبر العراق الحر