الذاكرة بوصفها نصًا: في تجربة الناقد عبد الكريم حمزة عباس…عبدالكريم السعيد

منبر العراق الحر :

لم تعد الذاكرة في الدراسات النقدية الحديثة مجرد وعاء لتخزين التجارب، بل تحوّلت إلى بنية نصية حيّة، قابلة للقراءة والتأويل والتفكيك. وفي هذا السياق، يبرز توجّه نقدي يتعامل مع الذاكرة لا بوصفها ماضٍ يُستعاد، بل بوصفها نصًا يُعاد إنتاجه باستمرار داخل الوعي، كما يظهر جليًا في مقاربة الناقد عبد الكريم حمزة عباس. فالإنسان، وفق هذا التصور، لا يحمل ذاكرة، بل يسكن داخلها، والذاكرة ليست مادة خام بل خطاب مركب يتداخل فيه السردي بالوجداني، والواقعي بالمتخيّل، لتصبح نصًا أدبيًا مكتمل العناصر، له حبكة وشخصيات وزوايا رؤية وانزياحات دلالية.
يتضح هذا في نصه “فوبيا”، حيث تتحول الذاكرة إلى قيد داخلي مشكّل عبر التنشئة الاجتماعية، فالوصايا والخوف المتوارث لا تُحفظ فقط، بل تُعاد صياغتها داخل وعي الشخصية لتصبح سلطة خفية تحدد تصرفاته، كما يقول: “دخل الجامعة وهو محمل بتعليمات صارمة هي في الحقيقة عبارة عن ‘زنزانة’ متنقلة…”، وحين تقتحم الفتاة عالمه، تمثل نصًا مضادًا للحياة والانفتاح، لكنها تكشف أيضًا عجز الذات عن تفكيك بنيتها الذاكرية، فيرتدّ إلى قوقعته. في “مبتدأ وخبر” تعيد الذاكرة بناء مشهد مدرسي بسيط، لكنه يتحول إلى لحظة انكشاف رمزي، حيث يتحول الصبي الفقير، رغم مظاهره الهامشية، إلى “مبتدأ” معرفيًا وسط جهل الآخرين “خبر”، إذ “على السبورة السوداء لم يكتب جملة اسمية، بل رسم ‘صدعًا’ ونثر حوله الكلمات…”. النص يوضح كيف تصبح الذاكرة أداة نقدية لتفكيك القيم الاجتماعية وتحويل الهامشي إلى مركز دلالي.
أما في “بحر أسود”، فتتحول الذاكرة إلى مساحة جمالية صافية، حيث لا يقوم النص على حدث مكتمل، بل على أثر شعوري متنامٍ، فتتجلى لحظات الانتظار والنظرات العابرة كفضاء لتجربة الحنين والغياب: “كلما استعدت تلك اللحظات، لا أعود الرجل الذي صرتُه، بل ذلك الطفل، واقفًا في زقاقٍ ضيّق، ينتظر مرورًا عابرًا… وأغرق من جديد في ذاك البحر الأسود.” هنا لا يكتمل الواقع إلا داخل الذاكرة، ليؤكد أن القراءة النقدية للذاكرة هي قراءة للفقد والحنين والوعي العاطفي العميق. وفي نص “حب عابر” تظهر أزمة اللغة أمام التجربة الإنسانية، حيث تصبح الذاكرة مجالًا للتأويل: “قلتِ بابتسامة مشدودة: قبلة على الخد تكفي… لم أعرف إن كنتِ قد أنقذتِ الحقيقة من كلمة (أخي)، أم شوّهتِ براءتها.” النص يوضح أن اللحظة العابرة تتحوّل داخل الذاكرة إلى نص متعدد المعاني، ممارسة نقدية للذات واللغة على حد سواء.
إن توظيف الذاكرة كنصوص أدبية يفتح أفقًا نقديًا جديدًا، فالذكريات ليست معطيات بريئة، بل محمّلة بالتحيّزات والإزاحات وإعادة التشكيل، مما يجعلها نصوصًا تُكتب بوعي ولاوعي في آن واحد. وفعل استدعاء الذكرى وإعادة صياغتها يصبح ممارسة نقدية بحد ذاته، وأداة لإعادة تقييم الذات والوجود. هذه الرؤية تتقاطع مع مناهج نقدية متعددة، مثل التفكيكية التي ترى أن النص لا يحمل معنى ثابتًا بل يتشظى بتعدد القراءات، والنقد النفسي الذي يربط بين الذاكرة والبنية اللاواعية، إضافة إلى السرديات التي تنظر إلى الحياة بوصفها حكاية تُروى. وما يميز مقاربة عبد الكريم حمزة عباس هو دمج النظرية بالتطبيق؛ فالذاكرة ليست موضوعًا للنقد فحسب، بل أداة نقدية تمارس على الذات في الحياة اليومية، ليصبح الإنسان قارئًا وناقدًا لنصوصه الداخلية، يعيد كتابتها، ويصححها، ويعيد تأويلها.
وفي الخلاصة، فإن توظيف الذاكرة كنصوص أدبية لا يعيد تعريف النقد الأدبي فحسب، بل يعيد تعريف الإنسان نفسه؛ بوصفه كائنًا يكتب ذاته باستمرار، ويعيد قراءتها وينقّحها في محاولة دائمة للاقتراب من معنى وجوده. فالإنسان لا ينبغي أن يكون قارئًا لنصوص ذاكرته فحسب، بل ناقدًا بارعًا لهذه النصوص، يمارس النقد الذاتي السردي، ويحوّل الحياة إلى نص مفتوح قابل للمراجعة المستمرة.

عبدالكريم السعيد

اترك رد