منبر العراق الحر :
منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم، وهو يعيش مأساةً خفية لا يراها إلا من أرهقته أسئلة الوجود؛ مأساة الكائن الذي وُلد من رحم الجماعة لكنه يحمل في أعماقه حنينًا أبديًا إلى فردوس العزلة.
فهو ليس مخلوقًا ينتمي بالكامل إلى القطيع، ولا قادرًا على النجاة خارجه.. , إنه كائن يقف على الحافة الفاصلة بين نارين: نار الوحدة التي تُجمِّد الروح بصقيعها، ونار الجماعة التي قد تلتهم ملامحه حتى لا يبقى منه سوى ظلٍّ باهت.
الإنسان أشبه بطائرٍ مهاجرٍ يحلّق مع السرب اتقاءً للعواصف، لكنه لا يكفّ عن النظر إلى الأفق البعيد حيث غصنٌ وحيدٌ لا يشاركه فيه أحد… ؛ يقترب من الآخرين طلبًا للدفء، ثم يتراجع عنهم خوفًا من الاحتراق… ؛ يذوب في الجموع كي لا يشعر بالوحشة، ثم يكتشف أن أكثر أنواع الوحدة قسوةً هي تلك التي يعيشها وسط الحشود.
ولعلّ هذه المفارقة هي أقدم أسرار الوجود البشري.. , فما سمّاه أرسطو «حيوانًا اجتماعيًا»، وما رآه روسو إنسانًا «وُلد حرًا لكنه مكبّل بالأغلال في كل مكان»، ليس سوى التعبير الفلسفي عن ذلك الصراع الأزلي بين الحاجة إلى الانتماء والرغبة في التحرر… ؛ فالجماعة تمنح الأمان، لكنها تطلب ثمنًا باهظًا: جزءًا من الروح، وقليلًا من الاختلاف، وربما الكثير من الحقيقة.
يشبه المجتمع متاهةً هائلةً بُنيت من المرايا… ؛ يدخلها الإنسان باحثًا عن ذاته، لكنه لا يرى إلا انعكاساتٍ لا حصر لها لما يريد الآخرون أن يكونه… ؛ وكلما حاول لمس صورته الحقيقية، تشظّت المرايا أكثر، وتبعثرت ملامحه بين آلاف الوجوه.
هناك، في أعماق هذه المتاهة، لا تحكم القوانين المكتوبة وحدها مصائر البشر، بل سلطةٌ أكثر غموضًا وقسوة: سلطة النظرة الجماعية، وسياط الأعراف، والمحاكم الخفية التي تُعقد في ضمير القطيع.
كم من إنسانٍ لم يسحقه السجن بقدر ما سحقته نظرات الناس؟
وكم من روحٍ لم تمت بفعل الألم، بل بفعل التكرار اليومي لارتداء الأقنعة؟
فالقطيع لا يطلب من أفراده الطاعة فحسب، بل يطالبهم أحيانًا بالتشابه , واستنساخ الوجوه والمواقف والسلوكيات والشعارات ؛ أن يضحكوا بالطريقة نفسها، ويخافوا بالطريقة نفسها، ويحبوا بالطريقة نفسها، وأن يدفنوا اختلافهم في مقابر الصمت… ؛ وهنا يبدأ الاغتراب الحقيقي: حين يصبح الإنسان غريبًا عن ذاته قبل أن يصبح غريبًا عن الآخرين.
في هذا المشهد السريالي الهائل، تبدو العلاقات الإنسانية كجسرٍ زجاجيٍّ معلّق فوق هاويةٍ بلا قرار… ؛ نعبره كل يوم، مدفوعين بحاجتنا إلى الحب والقبول والانتماء، لكننا نسمع تحت أقدامنا صوت التشققات الخفية… ؛ فكل علاقة تحمل في داخلها بذرة نقيضها؛ وكل اقتراب يتضمن احتمال الخذلان؛ وكل دفء يخفي في أعماقه رمادًا باردًا ينتظر لحظة الانطفاء.
إن ما يُسمّى بالطاقة السلبية ليس سوى الاسم العصري لذلك الفراغ الوجودي القديم الذي تحدّث عنه الفلاسفة والشعراء والروائيون بطرق مختلفة… ؛ إنها عدوى خفية تنتقل بين الأرواح كما ينتقل الضباب بين الأشجار… ؛ نظرةٌ واحدة، كلمةٌ عابرة، خيبةٌ صغيرة، وقد يتحول النهار كله إلى غرفةٍ بلا نوافذ.. , وما أكثر البشر الذين يمشون بيننا حاملين في صدورهم مقابر كاملة من الأحلام المجهضة والاعترافات المؤجلة.
وكلما ازداد ضجيج العالم، ازداد تعطش الإنسان إلى الصمت.
فالحقيقة لا تولد في الأسواق المكتظة، بل في اللحظات التي يجلس فيها المرء وحيدًا أمام مرآته الداخلية، حيث لا شهود إلا ذاكرته، ولا قضاة إلا ضميره.. , لذلك لم تكن العزلة يومًا خيانة للجماعة، بل كانت، في أسمى صورها، محاولةً لإنقاذ ما تبقى من الذات قبل أن تبتلعها أفواه القطيع.
غير أن العزلة بدورها ليست فردوسًا موعودًا… ؛ فالإنسان الذي يهرب من الجموع قد يكتشف أن الوحوش التي كان يفرّ منها كانت تسكنه منذ البداية… ؛ وما يظنه حريةً مطلقة قد يتحول إلى صحراء داخلية تتآكل فيها المعاني ببطء… ؛ فالوحدة، مثل النار، تُدفئ حين تكون محدودة، لكنها تحرق حين تصبح وطنًا دائمًا.
وهكذا يظل الإنسان معلّقًا بين عالمين؛ بين الحاجة إلى الآخرين والحاجة إلى نفسه… ؛ كساعةٍ رمليةٍ تتدفق فيها الحبات من جهة إلى أخرى دون أن تستقر.. , أو كطائر الفينيق الذي لا يعرف هل نجاته في الرماد أم في اللهب.. ؛ فإن اقترب كثيرًا من الجماعة ذاب فيها حتى فقد اسمه، وإن ابتعد كثيرًا عنها تجمد في صقيع الفراغ.
ولعل الحكمة الوحيدة الممكنة ليست في الهروب من القطيع، ولا في الذوبان داخله، بل في اكتشاف تلك المسافة النادرة بين الاحتراق والانطفاء؛ المسافة التي يحتفظ فيها الإنسان بناره الداخلية دون أن يحرق بها أحدًا، ويشارك الآخرين دفءَ وجوده دون أن يسمح لهم بإخماد جمره.
هناك، في تلك المنطقة الغامضة الواقعة بين الرماد واللهب، بين السرب والطيران المنفرد، بين الصمت والضجيج، يولد الإنسان الحقيقي؛ لا بوصفه نسخةً من الجماعة، ولا شبحًا للوحدة، بل كائنًا يملك شجاعة أن يكون نفسه، رغم كل شيء.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر