منبر العراق الحر :
في مشهد تتداخل فيه نبرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الواثقة مع تصريحات تتوقع “تقدماً” في مفاوضات إيران، تبقى علامات استفهام كبرى بشأن قدرة هذا التفاؤل على التحول إلى اتفاق فعلي على الأرض، بينما تتحدث واشنطن عن “قرب” الصفقة، تواصل طهران الحديث عن “تنازلات لا يمكن تسويقها داخلياً”، وسط مؤشرات ميدانية على تصعيد وشيك.
تحليل معمق لتصريحات مدير برنامج الدراسات الإيرانية نبيل العتوم، والخبير في الشؤون الأميركية عقيل عباس، يكشف أبعاد المعادلة المعقدة.
نبرة ترامب المزدوجة
قال مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز دراسات إقليمية، نبيل العتوم، إن “هناك لغة مزدوجة لدى الرئيس ترامب في محاولة لزيادة الضغط الدبلوماسي قبل عملية الحسم مع الجانب الإيراني”.
وأوضح أن ترامب يتحدث هذه المرة “بثقة أكبر من السابق عن قرب اتفاق”، حيث لم يعد يركز على “إسقاط النظام أو الحرب الشاملة”.
وبحسب العتوم، بدأت الإدارة الأميركية تركز على “3 أولويات: هرمز، واليورانيوم المخصب، ومنع إيران من عسكرة برنامجها النووي”.
وأضاف أن “هذا يوحي بأن الإدارة ترى أن المسار الدبلوماسي أصبح أقرب لتحقيق أهدافها من استئناف الحرب، لكنه حذّر من أن “الاتفاق غير موقع لغاية الآن”.
العقدة الحقيقية.. التخصيب ومصير البرنامج النووي
يرى العتوم أن “العقدة الحقيقية ليست في وقف إطلاق النار، بل هي في مصير التخصيب وشكله مستقبلا، بالإضافة إلى العقوبات والأموال المجمدة، والعلاقة مع ملف لبنان والضمانات المتبادلة”.
وأشار إلى أنه “بينما يرى ترامب أننا قريبون، تستمر طهران في نفي كثير من التفاصيل”.
وفي تحليل لموقف إيران، قال العتوم: “إيران تريد عكس ما تطرحه واشنطن، تريد تخفيف الضغط الاقتصادي أولا والإفراج عن الأموال المجمدة، كما تريد طهران “الاعتراف بدورها الإقليمي مع الحفاظ على جزء كبير من برنامجها النووي، وعدم الظهور بمظهر المستسلم”.
وأضاف أن “الجانب الإيراني يتحدث عن أن الولايات المتحدة تريد تنازلات لا يمكن تسويقها داخلياً، وهذه تمثل استسلاماً سياسياً لن تقبل به إيران”.
ترامب نزل عن سقفه العالي
من جانبه، أكد الخبير في الشؤون الأميركية، عقيل عباس، أن “الرئيس ترامب نزل عن سقفه العالي في الأيام الأولى من الحرب، والآن هو يريد مخرجاً سياسياً مقبولا من هذه الحرب، يبدو أفضل من اتفاق 2015″.
وأضاف: “هو يستطيع أن ينهي الحرب، لكنه لا يستطيع أن ينهيها على أساس تجديد اتفاق هو شيطانه وهاجمه”.
وشدد عباس على أن “جزءاً من أن يكون الاتفاق أفضل من اتفاق 2015، أنه لا حوافز مالية لإيران مقدمة، بل تأتي لاحقاً بعد أن توقف التخصيب وتخرج اليورانيوم المخصب عالياً”.
وأوضح أن الأساسي أيضاً هو أن “إيران توافق على تجميد التخصيب النووي، لأن اتفاق 2015 ليس فيه تجميد، بل سماح بالتخصيب تحت رقابة”. وخلص عباس إلى أن “المشكلة الأساسية هي مضي إيران قدماً عملياً في التخصيب”.
القرار السياسي لا الجهل التقني
رداً على من يقول إن “الفريق التفاوضي الأميركي لا يفهم”، قال عباس: “هذا الكلام مبالغ، القضية هي القرار السياسي. أميركا وإيران تتفاوضان منذ 10 أو 15 سنة”.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة أرسلت “4 طائرات من المختصين النوويين والقانونيين في مفاوضات باكستان، عددهم تجاوز 800 أو ألف”.
وأكد أن “أميركا كانت تنسحب من التفاوض لأنه لم يكن هناك تفاوض إيراني جاد”، مضيفاً: “السؤال الأساسي: هل إيران مستعدة ألا يحدث فيها تخصيب نووي؟ بغض النظر عن التفاصيل الفنية، هذا قرار سياسي، وإيران غير مستعدة لمثل هذا القرار”.
تحذير إيراني.. النموذج الأوكراني و”فتوى المرشد”
في تحليل معمق للموقف الإيراني، أشار العتوم إلى أن “الإعلام الإيراني يتحدث عن النموذج الأوكراني: لو كانت أوكرانيا تمتلك سلاحاً نووياً لما تجرأت روسيا عليها. ولو كانت كوريا تمتلك سلاحاً نووياً لما تجرأت أميركا عليها” .
وأوضح أن “الفتوى الصادرة عن المرشد تتحدث عن تحريم استخدام النووي، وليس تحريم صناعة القنبلة النووية”.
وأضاف: “في حال وفاة المرجع، حسب المذهب الشيعي، تسقط هذه الفتوى، وهي ساقطة من زمان بدليل أن كمال خرازي تحدث في أوقات سابقة عن تغيير العقيدة النووية”.
كما كشف العتوم أن “إيران تمتلك 10 أطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب بنسبة 67%، و889 كيلوغراماً متوسط التخصيب بنسبة 20%، وأكثر من 23 ألف جهاز طارد مركزي متطور من نوع IR6 وIR9” ونقل عن رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيراني محمد إسلامي قوله: “حتى لو تم تدمير كل المنشآت النووية، نحن قادرون على إنشاء ورش نووية نستطيع من خلالها الاستمرار في التخصيب”.
مضيق هرمز.. قدرات أميركية لكن تردد سياسي
في شأن مضيق هرمز، قال العتوم: “السؤال: هل لدى الولايات المتحدة فعلياً القدرات على فتح مضيق هرمز؟ أعتقد ذلك. أميركا هي قوة عظمى.
من جهته، قال عباس: “أوروبا لديها القدرة العسكرية لفتح المضيق، لديها كاسحات ألغام كثيرة، لكن شرطاً أن تنتهي الحرب. وسيكون هناك قرار من مجلس الأمن بالفصل السابع يوجب فتح المضيق”.
وأضاف: “المضيق ليس ملكية إيرانية، ولا أحد من دول العالم – ولا حتى الصين حليفة إيران – يريد دفع المزيد من الأموال لإيران”.
واعتبر عباس أن “إيران ارتكبت خطأ استراتيجياً بضربها لدول الخليج، كسبت عداوتهم ولم تغير مسار الحرب”.
إيران تحاول ربط الملفات
بحسب العتوم، “إيران تحاول تحويل أي اتفاق – نووي أو بحري – إلى اتفاق كلي شامل يسمى لبنان وما تبقى من المحور، بينما تحاول واشنطن وتل أبيب حصر التفاوض بالنووي وصفقة ملاحة”.
وأضاف: “إيران تحاول رفع كل الجبهات مع بعضها البعض – هرمز ولبنان والبحر الأحمر – حتى لا يتم عزلها، وتريد تثبيت معادلة: أي هدوء مع إيران يجب أن يشمل لبنان وليس فقط الملف النووي أو هرمز”.
وأشار إلى وجود “صراع داخل إيران بين تيار يريد استمرار التفاوض وتيار متشدد يرى أن إسرائيل تحاول فرض وقائع جديدة قبل أي اتفاق”.
وخلص العتوم إلى أن “الأمور مرشحة للتصعيد”، واصفاً الواقع بأنه “هدوء يسبق العاصفة، وتناقض وإرباك ومحاولات للتراجع”. بينما يرى عباس أن “سيناريو ما بعد الحرب هو الذي ينبغي الانتباه له، إذ ستكون إيران ضعيفة جداً بسبب كلفة الحرب الاقتصادية الهائلة وكسبها أعداء جدداً، خصوصاً دول الخليج التي تستطيع أن تكون مؤثرة جداً على حلفائها” .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر