حين يصبح طرحُ الشرِّ شرطًا لولادة الإنسان الجديد .. قراءة لاهوتية تأويلية .. بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ليست الآية أمرًا أخلاقيًا، بل إعلانًا أنطولوجيًا.
إنها لا تخبر الإنسان كيف يُصبح صالحًا، بل كيف يستعيد حقيقة كيانه.
في النص اليوناني يستخدم الرسول بطرس الفعل ἀποθέμενοι (Apothemenoi)، وهو فعلٌ يُستعمل لخلع الثياب. لم يختر الرسول كلمة تعني “اتركوا” أو “تجنبوا”، بل اختار فعلًا ليتورجيًا يحمل صورة الإنسان الذي يقف على عتبة حياة جديدة، فيخلع ثوبًا لم يعد يليق به.
وهنا يتجاوز النص دائرة الأخلاق إلى سرّ الهوية.
فالإنجيل لا يطلب من الإنسان أن يُحسن سلوكه فحسب، بل أن يخلع الإنسان القديم، لأن المشكلة في الرؤية المسيحية ليست أن الإنسان يرتكب الشر، بل أن الشر، مع الزمن، قد يرتدي الإنسان.

الشر ليس فعلًا… بل تشوّه في الكينونة
نميل عادةً إلى فهم الخطية بوصفها أفعالًا منفصلة: كلمة، أو موقفًا، أو قرارًا خاطئًا.
أما بطرس فيقرأها بطريقة مختلفة.
إنه لا يذكر خطايا الجسد، بل أمراض القلب.
لأنه يعلم أن الله لا يبدأ بتقويم الأفعال، بل بشفاء الينبوع.
فالينبوع العكر لا يُنتج ماءً نقيًا مهما كانت القناة جميلة.
ولهذا لا يهاجم الثمار…
بل الجذر.

لماذا يبدأ بالخبث؟
لأن الخبث هو أول انحراف يصيب صورة الله في الإنسان.
لقد خُلق الإنسان ليقرأ العالم بالمحبة.
لكن منذ السقوط، بدأ يقرأه بالريبة.
صار يشك قبل أن يثق…
ويُفسّر قبل أن يفهم…
ويُدين قبل أن يسمع.
الخبث ليس نية سيئة فقط.
إنه عدسة وجودية مكسورة.
إنه العين التي فقدت قدرتها على رؤية الخير.
ولذلك قال المسيح:
“إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرًا.”
فالظلام يبدأ من العين…
لا من الطريق.

المكر… سقوط الحكمة
ليس المكر نقصًا في الذكاء.
بل هو الذكاء عندما ينفصل عن المحبة.
إنه العقل حين يفقد براءته.
ولهذا كانت الحية في سفر التكوين “أحيل” من جميع الحيوانات.
فالشيطان لا يدخل إلى الإنسان بالقوة…
بل بالإيحاء.
ولا يكسر الباب…
بل يقنع صاحبه أن يفتحه.
ومنذ تلك اللحظة صار العقل قادرًا أن يبرر كل شيء…
حتى الشر.

الرياء… حين ينقسم الإنسان على نفسه
الرياء ليس كذبًا على الآخرين.
بل انشقاق داخل الذات.
أن يصبح بين وجهك وقلبك مسافة.
بين صلاتك ونيتك هوة.
بين ما تعلنه وما تعيشه انفصال.
ولهذا لم يكن الرياء، في نظر المسيح، خطية أخلاقية فحسب.
بل مأساة وجودية.
فالإنسان خُلق على صورة الله…
والله واحد.
أما المرائي…
فيعيش اثنين.

الحسد… الخطيئة ضد العناية الإلهية
الحسد لا يبدأ حين ترى ما عند غيرك.
بل حين تتوقف عن رؤية ما أودعه الله فيك.
إنه رفض صامت لتدبير الله.
وكأن الإنسان يقول للخالق:
“لو كنتُ مكانك، لكنتُ وزعت المواهب بطريقة أفضل.”
ومن هنا نفهم لماذا كان أول دمٍ سُفك في التاريخ نتيجة حسد.
لأن المقارنة هي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن أن يكون نفسه.

المذمة… نقيض فعل الخلق
خلق الله العالم بالكلمة.
وقال عن الإنسان:

“حسن جدًا.”

أما المذمة…
فهي محاولة لسحب هذه الكلمة.
كل مذمة تقول للآخر بطريقة غير مباشرة:
“وجودك أقل مما أراده الله.”
ولهذا ليست المذمة إساءة لسمعة إنسان فقط.
إنها اعتداء على الصورة الإلهية المختومة فيه.
إنها محاولة لإعادة كتابة ما ختمه الله بختمه.

ولماذا هذا الترتيب؟
ليس لأن بطرس يجمع قائمة خطايا.
بل لأنه يرسم تشريحًا لموت القلب.
فالخبث يفسد الرؤية.
والمكر يفسد الفكر.
والرياء يفسد الهوية.
والحسد يفسد العلاقة.
والمذمة تفسد اللغة.
وعندما تفسد الرؤية والفكر والهوية والعلاقة واللغة…
لا يبقى في الإنسان شيء يشبه صورة الله.

ثم يأتي الطفل…
وفجأة، دون مقدمات، يدعونا الرسول في الآية التالية إلى أن نصير:
“كأطفال مولودين الآن.”
وهنا تنكشف عبقرية النص.
فالطفل لا يستطيع أن يشرب اللبن وهو يحمل سمًا في فمه.
وكذلك الروح…
لا تستطيع أن تتغذى على كلمة الله إذا كانت ممتلئة بمرارة الخبث.
إن بطرس لا يطلب الطهارة لكي يرضى الله.
بل لكي يصبح القلب قادرًا على استقبال الحياة.
فالنعمة لا تدخل لأنها مرفوضة…
بل لأنها لا تجد مكانًا.

المعمودية المستمرة
نحن نخطئ حين نظن أن المعمودية حدثٌ مضى.
في الحقيقة…
كل مرة يطرح فيها الإنسان خبثه…
يعتمد من جديد.
وكل مرة يخلع فيها قناع الرياء…
ينزل إلى مياه الأردن الداخلية.
وكل مرة يبارك نجاح أخيه بدل أن يحسده…
يقوم مع المسيح من قبرٍ صغير لم يكن يدري أنه يسكنه.
فالإنسان الجديد لا يولد مرة واحدة…
بل يولد كل يوم.

الله لا يطلب الفضيلة… بل الفراغ
هذه هي المفارقة الكبرى.
الله لا يقول:
“املأ قلبك.”
بل يقول أولًا:

“افرغه.”

لأن القلب الممتلئ بالخبث لا يتسع للمسيح.
واليد التي تتمسك بالحجارة…
تعجز عن استقبال الخبز.

ربما لهذا لم يقل بطرس:

“احملوا الفضائل.”

بل قال:

“اطرحوا…”

فالطرح هو أول أعمال القيامة.
والقيامة، قبل أن تكون خروجًا من قبرٍ حجري، هي خروج القلب من قبورٍ غير مرئية.
قبورٍ اسمها…
الخبث…
والمكر…
والرياء…

والحسد…

والمذمة.
فما أخطر أن يبقى الإنسان حيًّا في الجسد، بينما يسكن قلبه قبرٌ لم يُدحرج حجره بعد.
لذلك لا تنتهي الآية عند الأمر بالطرح، بل تبدأ منه.
لأن المسيحية، في جوهرها، ليست فنَّ إضافة الفضائل إلى الإنسان القديم…
بل معجزة ولادة إنسانٍ جديد، يستطيع أخيرًا أن يرى العالم بعيني المسيح، ويحب بقلبه، ويتكلم بكلمته، ويحيا حياته.
وهذه هي القيامة التي تبدأ الآن… قبل أن تبدأ في الأبدية.



رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية  وموجهة مجموعات 

اترك رد