منبر العراق الحر :
بين تلويح إيراني رسمي بإغلاق ممرات التصدير المائية، وتحذيرات من فتح جبهة جديدة تهدد إحدى أكثر عقد التجارة العالمية حساسية، عاد مضيق باب المندب إلى واجهة المشهد الاستراتيجي، مع تلميحات طهران إلى احتمال الاستعانة بورقة الحوثيين لتعطيل الملاحة فيه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تملك إيران فعلياً القدرة على تنفيذ هذا التهديد؟ وهل ما تزال طهران تمسك بما يكفي من أوراق الضغط الإقليمية بعد سلسلة الضربات التي تعرضت لها هي وحلفاؤها؟

في مقابلة مع برنامج “التاسعة” على “سكاي نيوز عربية”، قدّم رئيس مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية زيد عيادات قراءة تحليلية معمّقة لهذا الملف، فكك فيها حسابات إيران والحوثيين على حد سواء، وموقع مضيقي هرمز وباب المندب في المعادلة الدولية الراهنة.
عقدة استراتيجية بامتياز
يرى عيادات أن باب المندب “عقدة استراتيجية قبل أي شيء آخر”، ويشكّل مع مضيق هرمز “الشريان التاجي والشريان الأظهر في الاقتصاد العالمي”، ضمن سلسلة من الممرات المائية الحيوية عالمياً تشمل هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق ملقا وقناة بنما ومضيق جبل طارق.
ويوضح أن باب المندب تحديداً يُعد من أهم هذه العقد، إذ يتحكم إغلاقه أو انفتاحه بسلسلة الإمداد الكاملة الممتدة من آسيا إلى أوروبا وسائر العالم، وهو ما يجعله إغراءً كبيراً لأي طرف قادر على السيطرة عليه، سواء عبر التهديد بالإغلاق أو ابتزاز العالم اقتصادياً، على غرار ما تفعله إيران في مضيق هرمز.
هل تملك إيران القدرة فعلاً؟
في تقييمه لقدرة إيران على تنفيذ تهديدها، يرجّح عيادات أن طهران “تلوّح وتحاول أن توصل رسالة” مفادها بأنها، إذا اضطرت، ستعمل مع شركائها الحوثيين للسيطرة على إغلاق باب المندب، موضحاً أن الإغلاق في هذا السياق لا يعني إغلاقاً تاماً، بل تهديداً لأمن الملاحة يرفع كلفة التأمين ويدفع السفن التجارية إلى تجنب الإبحار، ما يعطل حركة التجارة ونقل النفط.
غير أنه يستدرك بشكل حاسم: “أنا لا أظن أن إيران تستطيع لأسباب كثيرة”، أولها أنها لا تملك سيطرة عسكرية مباشرة على المضيق. ويشير إلى أن طهران كانت تزوّد الحوثيين باستخبارات مهمة خلال تعطيلهم للملاحة عام 2023 عقب اندلاع حرب غزة، إلا أن معظم الأصول البحرية الإيرانية في المنطقة “تم التعامل معها”، وهو ما أضعف قدرة إيران على تقديم المعلومات الاستخباراتية الدقيقة حول حركة السفن وأعلامها وهوياتها.
علاقة لا تشبه حزب الله
يميّز عيادات بدقة بين طبيعة العلاقة الإيرانية-الحوثية وتلك التي تربط طهران بحزب الله، مؤكداً أنه لا ينفي عمق العلاقة ولا التأثير الطاغي للحرس الثوري على الحوثيين من حيث الأيديولوجيا والتسليح والتدريب والخبراء، مستحضراً واقعة ما أسماه اليمنيون “طائرة الموت” التي حاولت نقل وفد مشارك في تشييع جنازة في طهران إلى الحديدة، قبل أن تستهدف الحكومة اليمنية الشرعية المطار لمنع فتح جسر جوي جديد بين الحوثيين وإيران.
لكنه يشدد على أن للحوثيين “حسابات أخرى” تختلف عن حسابات طهران، وأن قدراتهم التي زودهم بها الإيرانيون “تم التعامل مع معظمها”، رغم وجود تقارير عن محاولات إيرانية حثيثة لإعادة تسليحهم خلال الأشهر الماضية، من دون ما يؤكد نجاح ذلك حتى اللحظة.
إيران تفقد أوراقها واحدة تلو الأخرى
يقدّم عيادات تفسيرين أساسيين للتصعيد الإيراني الأخير: أولهما أن ثمة مبالغة في تقدير الحنكة الإيرانية، مستشهداً بسلسلة أخطاء حسابية ارتكبتها طهران، من بينها اختراقها لاتفاق المبادئ ومحاولتها تعطيل الملاحة في هرمز عبر الممر الجنوبي في عُمان، وهو ما أدى إلى تصعيد جديد.
أما التفسير الثاني والأهم، فهو أن إيران “لم يتبقّ لها من أوراق قوة إلا ما تعتقد أنه مضيق هرمز وربما باب المندب”، مع تأكيده أن الأمريكيين لن يسمحوا لها باستخدام أي منهما مهما كانت الظروف أو الكلفة.
ويشبّه محاولات إيران بطفل يكتشف لعبة جديدة، موضحاً أن إغلاق هذه المضائق أو حصارها “يُستخدم مرة واحدة ثم يفقد قيمته الاستراتيجية” لأن الخصم يتعلم كيفية التعامل مع الأزمة.
ويفصّل خسارة طهران لأوراقها: إضعاف حزب الله وتوقيع إطار أمني لبناني-إسرائيلي والمفاوضات الجارية في روما، إلى جانب توافق واشنطن على تجريد الميليشيات المدعومة إيرانياً من أسلحتها أياً كان الثمن، وهو ما وصفه بـ”المقتل الاستراتيجي” لإيران.
حسابات الحوثي المستقلة
يوضح عيادات أن الحوثيين، رغم الدعم الإيراني الذي يمنحهم قوة تفاوضية، لديهم مصالحهم الخاصة ويريدون “لعبة أخرى”. ويستدل على ذلك بأن الحوثي محاصر ميدانياً باستثناء ما يسيطر عليه في صنعاء، فيما تخضع الحدود والموانئ لسيطرة الحكومة الشرعية، مع إضعاف قدراته خصوصاً من جانب إسرائيل خلال عامي 2023 و2024.
ويضيف أن هناك تفاهمات جرت مع الحوثي لإقناعه بعدم جدوى الانخراط مع نظام “يتهاوى وقوة تتراجع”، منعته من التدخل لمساندة إيران منذ 28 فبراير حتى الآن، مقابل امتيازات حصل عليها وأخرى محتملة.
ومع ذلك، يبقي الاحتمال قائماً نظراً لخلافات داخل القيادات الحوثية، مؤكداً أن أي فاعل عقلاني، بما فيه الحوثي، سيعيد النظر في رهانه على قوة تخسر وكلاءها وذاتها.
مضيق هرمز
وبشأن الوضع الراهن لمضيق هرمز، يشير عيادات إلى أن الضربات على إيران ستستمر، فقد تعرضت لاستنزاف كبير وتدمير هائل لقدراتها العسكرية بسرعة لم يتوقعها أحد، رغم احتفاظها ببعض القدرة المحدودة على القتال والمقاومة.
ويؤكد أن المضيق “مفتوح لمن يرغب في المرور” باستثناء إيران، في ظل العمل على بدائل تشمل خطوط الأنابيب وموارد تكساس وألاسكا. ويكشف أن حركة الناقلات، وإن كانت لا تزال دون المستوى المطلوب بحدود 17 إلى 18 سفينة يومياً، تُعد مؤشراً أولياً مقبولاً مقارنة بما سبق، في وقت يحاول فيه ترامب طمأنة الأسواق العالمية وتشجيع الحلفاء على التعاون الأمني الملاحي. ويلفت إلى أن “أمن الملاحة” ليس شأناً أميركياً حصرياً، لأن الإمدادات النفط والطاقة عبر هرمز لا تخص الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، موضحاً أن المضيق يضم ثلاثة مسارات: الجنوبي العماني المفتوح، والأوسط التقليدي الذي لا يزال يحتوي ألغاماً يجري البحث عنها، والشمالي الذي تسلكه إيران.
التصعيد القانوني بين الحرس الثوري والخارجية
يشير عيادات إلى اتفاق تم التوصل إليه قبيل قمة مجموعة السبع في فرنسا، حين طلب ترامب من حلفائه تدويل حماية المضيق بعد وقف العمليات الحربية، ما دفع بريطانيا وفرنسا ودولاً أوروبية أخرى إلى وضع خطط تنفيذية لأمن الملاحة.
ويعتبر أن الأخطر هو إعلان الحرس الثوري إغلاق المضيق، في مقابل محاولة وزير الخارجية عباس عراقجي التخفيف من حدة التصريح بالحديث عن “تهديد” لا “إغلاق”، موضحاً أن الإغلاق الرسمي القانوني يشكل “تهوراً” يستدعي تدخل مجلس الأمن الدولي بوصفه مساساً بالأمن والسلم العالميين.
ويخلص إلى أن طهران تسعى لرفع كلفة الملاحة والطاقة لانتزاع تنازلات من ترامب، لكنها تخاطر، كما في ملف باب المندب، بتبعات قانونية قد تدفع دولاً أخرى إلى التعاون مع واشنطن لفتح المضيق وتأمين الملاحة فيه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر