منبر العراق الحر :…..باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي….
إن تجددت الحرب الأميركية أو الأميركية–الإسرائيلية على إيران، فإن الحقيقة الأولى التي ينبغي التذكير بها هي أن الحرب، مهما تعددت مبرراتها السياسية والأمنية، لا تكتسب شرعيتها الدولية بمجرد إعلان أهدافها. فالأصل في ميثاق الأمم المتحدة حظر استخدام القوة، إلا في حالات الدفاع المشروع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن. ومن هنا ينبغي التمييز بين جريمة العدوان بوصفها مسألة تتعلق بمشروعية شن الحرب ابتداءً، وجرائم الحرب التي قد تُرتكب أثناء العمليات العسكرية. فالنقاش لا يبدأ من حجم الدمار وحده، بل من الأساس القانوني الذي استُخدمت بموجبه القوة.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن المسؤولية عن الانتهاكات لا تنحصر بطرف واحد. فالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والفصائل المسلحة المرتبطة بها جميعها تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني. واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية، أو الاعتداء غير المشروع على البنى التحتية والسفن التي تتمتع بحق الملاحة الآمنة في الممرات الدولية، قد يشكل جرائم حرب بحسب طبيعة الأهداف والظروف العسكرية وقواعد التمييز والتناسب. ولا يجوز أن تتحول إدانة العدوان إلى تبرير لانتهاكات الطرف المقابل. هذه هي الصورة التي ينبغي تثبيتها بعيدًا عن الانتقائية السياسية والقانونية.
وإذا تجددت الحرب، فإنها لن تعيد إنتاج مشاهدها السابقة بالضرورة، بل قد تعود بمستوى أشد عنفًا واتساعًا، وبكلفة إنسانية ومادية أكبر على شعوب المنطقة. فالحرب لا تتوقف آثارها عند حدود الدول المتحاربة، وإنما تمتد إلى أمن الطاقة والممرات البحرية والبنى الاقتصادية وحياة المجتمعات. وقد تتحول الضربات المتبادلة إلى سلسلة من الردود والردود المضادة، تتسع معها دائرة الأهداف وتتراجع فرص الاحتواء. وهنا تكمن المعضلة: أن الأطراف التي تتخذ قرار التصعيد قد لا تكون هي الأكثر تحملًا لفاتورته، فيما تجد دول المنطقة وشعوبها نفسها أمام حرب لا تملك قرار بدايتها ولا نهايتها.
والسؤال الأهم: لماذا قد تعود إدارة ترامب إلى حرب لا تتمتع بتأييد شعبي واسع داخل الولايات المتحدة؟ فقد أظهر استطلاع حديث لمركز بيو ((Pew، أُجري بين 28 أيلول و4 تشرين الأول 2026، أن 65% من الأميركيين يعارضون طريقة إدارة ترامب للصراع مع إيران، فيما لا يرى سوى 34% أن قرار استخدام القوة كان صائبًا. غير أن تراجع الشعبية لا يعني بالضرورة تغير القرار الرئاسي، حتى لو نجح الحزب الديمقراطي في السيطرة على مجلسي الكونغرس؛ فصلاحيات الحرب موزعة دستوريًا بين الرئيس والكونغرس ، فدون أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسي، لن تكون السيطرة على المجلسين وحدها كافية لفرض تغيير في السلوك الخارجي لإدارة ترامب. هذه هي إحدى قواعد اللعبة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية.
وتبرز هنا علتان محتملتان للعودة إلى الحرب. الأولى أن الأدوات التي استُخدمت، من العمليات العسكرية إلى الحصار والضغوط الاقتصادية، لم تحقق حتى الآن التغيير الأميركي المنشود في السلوك الإقليمي الإيراني أو تسوية الملف النووي وفق الشروط المطلوبة. أما الثانية، وهي الأكثر اتصالًا بشخصية ترامب السياسية، فتتمثل في أن «مشهد النهاية المنتصرة غائب». فالرئيس الذي يربط قراراته الكبرى بصورة القوة والإنجاز قد يجد صعوبة في إعلان انتهاء مواجهة لم تحقق أهدافها المعلنة. وهذه قراءة لسلوكه السياسي وليست تشخيصًا نفسيًا، لكنها تساعد على تفسير احتمال استمرار التصعيد بحثًا عن انتصار يمكن تقديمه للرأي العام الأميركي.
وفي المقابل، لا تبدو القيادة الإيرانية بعيدة عن المأزق نفسه؛ إذ إن حساباتها القائمة على الردع والصمود ورفض الإملاءات الخارجية قد تدفعها إلى التعامل مع بعض المطالب الأميركية باعتبارها معادلات صفرية، يصبح التراجع فيها أقرب إلى الاعتراف بالهزيمة. وهنا تتقاطع سيكولوجية القيادتين مع الحسابات الاستراتيجية للدولتين: ترامب يبحث عن «مشهد انتصار نهائي»، وإيران تبحث عن إثبات أنها لم تُهزم ولم تُجبر على الاستسلام. وبين هذين الموقفين تتضاءل مساحة التسوية، وتزداد احتمالات العودة إلى القوة العسكرية. ولذلك فإن أخطر ما في الحرب ليس احتمال تجددها وحده، بل غياب تصور مشترك لنهايتها. فما دام «مشهد النهاية المنتصرة غائبًا»، وما دام تغيير السلوك الإيراني لم يتحقق، فإن احتمالات تجدد الحرب ستظل قائمة، وستبقى شعوب المنطقة هي التي تدفع الكلفة الأعلى لحرب لا تملك قرارها.
24 تشرين الأول / اكتوبر 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر