منبر العراق الحر :
عَلَى بُعْدِ عُمْرٍ مِنْ حِمَاكِ أُحَاوِلُ
عَسَى يَسْتَرِدُّ الرُّوحَ بَرٌّ وَسَاحِلُ
وَمِنْ بُعْدِ عِشْقَيْنِ الْبِلَادُ وَأَهْلُهَا
أَذُوقُ عَذَابَ الشَّوْقِ وَالشَّوْقُ قَاتِلُ
بَكَيْتُ وَدَمْعُ الْعَيْنِ جَمْرٌ مُصَهَّرٌ
يُذِيبُ شَغَافَ الْقَلْبِ وَالْخَدُّ ذَابِلُ
سَلَامٌ عَلَى دَارٍ كَبُرْتُ بِظِلِّهَا
تَخِرُّ لَهَا فِي النَّائِبَاتِ الْجَحَافِلُ
تَمُرُّ عَلَيْهَا الشَّمْسُ حِينَ طُلُوعِهَا
وَتَجْرِي لَهَا الْأَنْهَارُ وَالزَّهْرُ مَاثِلُ
تَنَامُ عَلَى شَدْوِ الْحَمَامِ بُيُوتُهَا
وَيَصْحُو عَلَى ذِكْرِ الْأَحِبَّةِ رَاحِلُ
فَمَا بَيْنَ وَادِي الطَّيْرِ وَالسَّدِّ جَنَّةٌ
وَمَا بَيْنَ تَلِّ الْخِضْرِ وَالْقَصْرِ دَاعِلُ
جَهِلْتُ مَقَامَ الدَّارِ عِنْدَ فِرَاقِهَا
وَمَنْ غَابَ عَنْهُ الشَّوْقُ لِلدَّارِ بَاهِلُ
أَحَنُّ إِلَى أَهْلِي وَأَكْتُمُ لَهْفَتِي
وَيَفْضَحُ تَوْقِي لِلدِّيَارِ هَوَامِلُ
فَكَمْ جَلَسَتْ تَحْكِي وَأُنْصِتُ سَامِعًا
وَكَمْ جَلَسَتْ تَبْكِي الْفِرَاقَ مَنَازِلُ
وَكَمْ
جَلَسَتْ
أُمِّي
تُغَازِلُ
خُبْزَهَا
وَحَوْلَ
هَسِيسِ
النَّارِ
تَلْهُو
الْأَيَائِلُ
وَكَمْ بَاتَ فِيهَا الْبَدْرُ صَبًّا مُتَيَّمًا
وَتَصْهَلُ فِيهَا الضَّابِحَاتُ الْأَصَائِلُ
وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلُ مُقْبِلٌ
تَحُلُّ بِهَا عَبْسٌ وَتَحْضُرُ وَائِلُ
وَفِيهَا رَثَى الْمِزْرَابُ دَمْعَةَ غَيْمَةٍ
وَخَوْفَ فِرَاقِ النَّهْرِ تَبْكِي الْجَدَاوِلُ
وَبِئْرٌ أَمَامَ الدَّارِ زَمْزَمُ مَاؤُهَا
وَعِنْدَ أَنِينِ الْمَاءِ تَشْدُو الْبَلَابِلُ
وَكَانَتْ بِوَسْطِ الدَّارِ تَشْمُخُ كَرْمَةٌ
بِهَا الْعِنَبُ الدُّرِّيُّ كَالْمَاسِ نَازِلُ
حَبَوْتُ بِهَا طِفْلًا وَصِرْتُ لَهَا أَبًا
يُؤَدِّي قِيَامَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ غَافِلُ
وَتُحْيِي صَلَاةَ الْفَجْرِ أُمٌّ وَجَدَّةٌ
وَبَعْدَ صَلَاةِ الْفَرْضِ تُؤْتَى النَّوَافِلُ
بَكَيْتُ وَحَقِّ اللَّهِ دَمْعًا مُخَضَّبًا
وَلَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالدَّارِ هَامِلُ
وَلَيْسَ يَضِيرُ الْمَرْءَ مَوْتٌ مُعَجَّلٌ
فَأَقْسَى صُنُوفِ الْمَوْتِ مَوْتٌ آجِلُ
وَأَعْتَى هُمُومِ الْقَلْبِ قَهْرُ مُفَارِقٍ
لِدَارٍ بَنَاهَا هَدَّمَتْهَا الْقَنَابِلُ
فَلَا لَذَّ لِي عَيْشٌ وَأَرْضِي سَبِيَّةٌ
تَنَازَعَهَا اللِّصَّانِ فَقْرٌ وَجَاهِلُ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ بِطِينَةٍ
وَلَكِنْ لِطِينِ الْأَرْضِ رُوحٌ تُقَاتِلُ
هُنَالِكَ حَيْثُ الدَّهْرُ شَيْخٌ مُبَجَّلٌ
وَحَيْثُ أَقَامَ الشَّيْخُ نَامَ الْأَوَائِلُ
عَلَيْهِمْ سَلَامُ اللَّهِ مَا طَارَ طَائِرٌ
وَمَا غَرَّدَتْ فَوْقَ الْغُصُونِ الْعَنَادِلُ
وَأُقْسِمُ لَوْ عَادَ الزَّمَانُ كَمَا بَدَا
لَأَبْقَيْتُ قَلْبِي عَنْ حِمَاكِ يُنَاضِلُ
فَإِنْ دَمَّرُوا بَيْتِي فَلِلنَّاسِ مَوْطِنٌ
بِأَعْمَاقِ صَدْرِي لَمْ تَطُلْهُ الْغَوَائِلُ
سَلَامٌ عَلَى الْأَشْرَافِ بَعْدَ نَبِيِّنَا
فَلَوْلَاهُ سَادَ الْأَرْضَ ظُلْمٌ وَبَاطِلُ
….
#فايز_أبوجيش
منبر العراق الحر منبر العراق الحر