منبر العراق الحر :
وأنا في طريقي الممتد كل أسبوع تبتلعني المسافات دون طوق نجاة، كلما أيقنت الوصول زاد امتدادها، وزاد معها إصراري على ملامسة خط النهاية، هي المسافات ومنذ سنين تحملني في حقيبة السفر، حتى أيقنت أنه لا مفر… أجد هذه الأجوبة الجاهزة والمعلقة على محيا البعض ممن يصطفون في طابور المحبة، تستفز أسئلتي السائحة في حزمة الأفكار. منذ الصباح وأنا أقفز بين الصفحات، أنط بين الصور، وأسيح بين الحروف المضيئة من وهج خيوط الشمس الغائبة تحت قطن السماء، إذ لا ندى يتقطر من الزهر، أتماهى مع المدهش من المعاني وأتعجب ممن لا يزال يغط في سباته العميق، وقد فاته هذا الفيض الرباني وهو يكتب أحلى قصيدة…
لكن بين لحظة تكتبني ولحظة أكتبها. هناك لحظة تعصرني في فنجان قهوة فتشربني الساعات وأنا أراقب تلك الثواني والدقائق التي تجري من دون فكاك، أراها تصاحبني كما لو أننا خطان متوازيان نجري نحو نقطة واحدة من دون أمل في الوصول… لعلي قررت أن أوقف الزمن، وأقف على ناصية الوقت، أتدبر ما يجري في هذا العالم الذي اقتحمني دون رغبة مني، عالم أضحى يخترقني بانتظام، أتوسل به سبل النجاة من طول المسافات التي تؤرقني وتقض مضجعي …
قد يطل علينا الفرج عما قريب وقد نستيقظ على معجزة، رغم انقضاء عصر المعجزات، فأنا على يقين أن هذا الاقتحام يشغلني، ويؤخر مشاريعي، ويضعها جانبا، يسحبني دون وعي مني، يأخذني لأقضي الساعات الطوال أمام دهشة الاكتشافات. وروعة التجوال التي لا تنتهي…، ولا تنتهي معها متعتي التي أمست تبتلعني هي الأخرى. كل الوجوه أستطيع قراءتها من وراء الصفحات، فما يُبطن فيها أكثر مما يُظهر، صفحات تنقض على صفحات تشرحها تقرأ ما وراء براءتها بل تفتك بها أحيانا. مثل صفحة مرت أمامي، اعتادت أن تمد يدها، وفي غفلة مني لبعض التدوينات بصورها، تؤثث بها فضاءاتها بعد أن تُغير العبارات، وتحتفظ بما صدحت به الروح من وجع، كنت أجدها مشوشة مشوهة غير صادقة في نقل الإحساس ولازلت…. نستطيع أن نرسم لأنفسنا صورا مثل الآخر، نقلده نمشي على ما تبقى من خطاه، لكن خطانا ستكون غير ثابتة وأثرها زائل لا محالة، أن تكون أنت أنت تلك متعة أخرى.
اليوم وأنا أمعن النظر في هذه الصفحة، الصديقة وجدتها تمادت، وتجاوزت الصور إلى ابتلاع الحروف، والتشكر بحجم السماء التي أحجمت عنها منذ مدة بعد أن أصبحت هذه الصفحة تتماهى مع ما تبقى من العبير بين الحروف. كثيرا ما تضيع ملامحنا الأصلية، وشخصيتنا الذاتية، ونحن نرتدي ملامح الآخر لنقنع الناس أنه وجهنا الحقيقي. لكن لا محالة ستجف الأقنعة بعد سطوع شمس الحقيقة، لتظهر للعيان وجوها هجينة، أو وجوها مشوهة تضيع فيها الملامح الحقيقة من كثرة عمليات التجميل التي لا تناسب كل الوجوه.
لست غاضبة من هذه الصفحة ولكن أنا متألمة من أجلها، لأن مجال الابتكار والإبداع يتسع للجميع. فقط أن نؤسس لنفسنا مسارا ثابتا. وألا نصبح مثل الغراب الذي أراد تقليد مشية الطاووس، فضاع بين التقليد والأصل فلا هو أتقن مشية الطاووس ولا هو حافظ على مشيته. وقس على الصفحات ما يجري في معترك الحياة والبحث العلمي، اليوم وأنا أرفل في متسع من الوقت استطعت أن أدرك أن هذا الفضاء الافتراضي لقننا دروسا كثيرة، فاكتشفنا بشاعة بعض الوجوه لما سقطت عنها مجمل الأقنعة.
تحياتي والعبير
منبر العراق الحر منبر العراق الحر