إيران وإشكالية تخليها عن ميليشياتها في ضوء القرار العربي: حل تشريع السلاح

منبر العراق الحر :شكلت دعوة البيان الختامي لمؤتمر قمة الجامعة العربية في جدّة لإنهاء وجود الميليشيات المسلحة الى جانب القوات المسلحة النظامية في الدول العربية مؤشراً على أحد الأهداف الاستراتيجية الأساسية التي تسعى القوى العربية بقيادة المملكة العربية السعودية الى تحقيقها. وكان بند مماثل ورد في الاتفاق الذي وُقع بين السعودية وإيران برعاية الصين. لكن تطبيق هذا البند دونه عقبات كثيرة أهمها أنه يتناقض مع مبادئ وأهداف الثورة الإسلامية في إيران، كما أنه يؤثر في موازين القوى داخل الدول التي تهيمن عليها إيران في المنطقة وتحديداً لبنان وسوريا والعراق واليمن.

تراقب شعوب المنطقة الخطوات التي تقوم بها إيران مع المجموعات المسلحة التابعة لها لتقرر ما إذا كانت إيران تنوي فعلاً التخلي عن استراتيجيتها التوسعية وبناء علاقات متينة مع جيرانها العرب على أسس جديدة. فنفوذها في دول المنطقة المشار اليها مستمد من وجود هذه الميليشيات المسلحة التي تمنح أحزابها السياسية فائضاً من القوة يجعلها الجهة المسيطرة على الأرض ولو أنها لا تملك الغالبية البرلمانية أو الشعبية. فقوات “الحشد الشعبي” منعت الأكثرية الفائزة من تشكيل الحكومة من دون مشاركتها وفرضت حكومة بحسب مقاييسها. ورغم اختلاف التكتيكات إلا أن الحال لا يختلف كثيراً في الدول الأخرى الخاضعة للنفوذ الإيراني.

مناورة "حزب الله" العسكرية في لبنان

أهم رسالة لمناورة “حزب الله” العسكرية العلنية في لبنان والمصورة للإعلام أن أقوى مجموعة مسلحة تابعة لـ “لحرس الثوري” الإيراني لا تنوي التخلي عن سلاحها، بل تعتزم لعب دور أكبر وربما الحصول على الغطاء الشرعي الرسمي من السلطات اللبنانية.

قد يكون هذا الثمن المطلوب من رئيس الجمهورية المقبل: منح الجناح العسكري لـ”حزب الله” الشرعية بحمل السلاح وممارسة المهام العسكرية جنباً الى جنب مع الجيش اللبناني إنما تحت قيادة مستقلة – أي نسخ التجربة العراقية مع “الحشد الشعبي”. هكذا تكون إيران التزمت بتعهداتها ضمن الاتفاق مع السعودية.

أما في اليمن، فلا تزال المفاوضات مستمرة حول مستقبل الميليشيات الحوثية التي تسعى لاستمرار وجودها كقوة شرعية مستقلة عن الجيش. أما في سوريا، فالنظام هو جزء من محور المقاومة وقواته المسلحة تضم في صفوفها ميليشيات مستقلة الى حد ما عن القيادة العسكرية، ويعمل بعضها مع إيران.

بحسب واقع الحال في لبنان، لا يوجد أي جهة تستطيع فعلاً منع “حزب الله” من تحقيق ما يريد. فلا توجد حكومة مركزية قوية، والانقسامات الداخلية تفتح الطريق لـ”حزب الله” لتحقيق مكاسب على عدة صعد بخاصة في تعزيز وجوده داخل مؤسسات الدولة الرسمية التي مع الوقت ستسهل عملية منح وجوده العسكري الغطاء الشرعي المطلوب.

كما أن علاقات قوى عظمى مثل فرنسا وروسيا والصين تعتبر جيدة مع “حزب الله” وهناك مستوى من التنسيق معها بشكل مستقل عن الدولة اللبنانية.

وبات وجود الحزب المسلح أمراً عادياً للعديد من اللبنانيين المنشغلين اليوم بهمومهم المعيشية والاجتماعية. والأحزب اللبنانية الأخرى تدرك أن تسليح نفسها لمواجهة قوة “حزب الله” العسكرية ستكون عملية صعبة ومكلفة جداً وتتطلب وقتاً طويلاً. كما أنها ستمهد الطريق لحرب أهلية جديدة وهو ما لا تريده هذه القوى.

حتى ولو كانت طهران تريد فعلاً إنهاء وجود الميليشيات غير النظامية التابعة لها في المنطقة، فهذا سيتطلب وقتاً وآلية إخراج. فهي لن تستطيع الانتقال من حالة الهجوم والتوسع الى الانسحاب بسرعة والتخلي عن حلفائها. فهذه خطوات تأخذ وقتها وتتزامن مع خطوات سياسية تساهم في تطبيع العلاقات بين القوى المتنافسة من أجل تكريس واقع جديد. كما أنها قد تتعرض لعمليات تخريب من جهات متضررة من التقارب السعودي – الإيراني، مثل إسرائيل، أو متضررة من تنامي الدور الصيني، مثل واشنطن. وقد تكون مناورات “حزب الله” الأخيرة في إطار تحذير إسرائيل من عواقب أي خطوات تهدف لقلب الطاولة على الاتفاق السعودي مع طهران عبر شن هجوم عسكري على المجموعات المؤيدة لإيران في سوريا ولبنان.

من المهم إدراك أن إيران لن تتخلى عن مكتسباتها في المنطقة، وتحديداً امتلاكها قوى ترتبط بها عقائدياً تمكنها من السيطرة على قرار هذه الدول من دون الحاجة لاحتلالها عسكرياً.

وهي قد تضطر لتغيير تكتيكاتها إنما لن تغير استراتيجية منحتها تفوقاً ونفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

لكن من المهم أيضاً إدراك حدوث تغييرات مهمة في العالم العربي تتمثل بصعود قوة السعودية بقيادة شابة وطموحة ومستعدة لاتخاذ خطوات جريئة لتغيير واقع الحال الإقليمي وتعزيز مكانة القيادة العربية في وضع النظام الأمني الجديد للمنطقة بمشاركة لاعبين قدماء مثل أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وجدد مثل الصين.

ستشهد الأشهر المقبلة تحركات دبلوماسية نشطة لتعزيز استقرار المنطقة وتشجيع واشنطن والعواصم الأوروبية على استغلال الجوانب الإيجابية للاتفاق السعودي – الإيراني من دون التركيز على الرعاية الصينية له.

فحتى بعض الجهات الأميركية تعتبر أن إنهاء الحرب في اليمن وتعزيز الاستقرار السياسي في العراق ولبنان سيعود بالفائدة على المصالح الأميركية الاقتصادية والسياسية.

يبقى القلق الأكبر من عمل عسكري من الجانب الإسرائيلي الغاضب لتراجع زخم الاتفاقات الإبراهيمية وخروج إيران من عزلتها الإقليمية.

وقد تجد الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة فرصة في الحرب لاستقطاب الدعم والتعاطف الغربي بعد تراجع مكانتها نتيجة مشاكلها الداخلية ومحاولتها تغيير الهوية الليبرالية الديموقرطية للدولة العبرية.

لكن أي عمل عسكري إسرائيلي سيكون مغامرة خطرة في وقت أميركا منشغلة جداً في حرب أوكرانيا والتهديد الصيني. فلن يكون هناك أي مواجهة إسرائيلية مع إيران أو ميليشياتها من دون دعم أميركي.

 

النهار العربي…..رياض قهوجي

اترك رد