سرٌّ في مياه ….كريم خلف جبر الغالبي

منبر العراق الحر :
للماءِ في حركتهِ مستوى معين ، ولابُدَّ أَن يبلغَ ذلكَ الاستواء ولا يَتَعدّاه ، لا تستَوقفهُ أمانٍ ولا رغبات ، إلاّ ذلكَ الإنسان ، لا يَتوقفُ عِندَ حدٍّ مُعينٍ ، لا تَحكمهُ الحِدود ، عابثٌ غير مَردود ، مَحدودٌ يَتطلعُ إلى اللامحدود حَتّى يَغيبَ عِنِ الوجود ، فإذا كان الماءُ شَيئاً فهوَ ليسَ كالأشياءِ ، للأشياءِ غاياتٌ لابُدَّ مِن بلوغِها ، فهيَ حيَّةٌ بذلكَ الماء الذي جعل منه ( كل شيء حيّ) ، كما إنَّ للماءِ أوجاعٌ منفردةٌ ، عندما ينفصلُ عَن فصيلته ، يتحول من حالة لأخرى ، ولأجل أن تحيا الأشياء في داخله ومن فوقه وتحته ، يسافر في كل بقاع الأرض ، يروى عطش الظمأى ، يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يجتاحَ الصخورَ ويكسرَ السدودَ ، يصرخُ ، يتمددُ ، يزمجرُ كي يلبي نداء العطاشى والجائعين ، يحمل لهم في بطونهِ ما لذَّ وطاب ، ينقلهم أحياناً إلى الصوب الآخر عندما تطردهم الأوطان بشرور ذلك الإنسان ، يستوطن بطون الصحارى إن عزَّت عليها الرياح ، عندما يستودعها تلك الغيوم لتسوقها حتى بالصيف مزناً تنقذُ العابرين من هجيرِ الحرِّ ولهبِ الصحراء ، لقد اخطأ أولئك المعلمون ، عندما قرأوا مساحته ولم يقدّروا سعته ، وهو يسكن في صم الصخور ونفس الطيور وفي اليابس و اليخضور ، ما كان للبحر أن يطغى لولا ( إن الإنسان ليطغى) فهو مداد لكل الأنهار والبحيرات والأهوار ، وعندما يمنعونه عنها ، يغضب ويثور، يتحول إلى بركانٍ وحممٍ من مياهٍ تذيبُ الصخور ، والى سيولٍ تجتاح المباني والقصور .
هناك في الأهوار حيث الماء يحقق رجواه في ذلك الجنوب من أرض السواد ، يأتي مسافرا في نهر دجلة والفرات ليستريح في محطته هذه ، يحمل للقاطنين فيها أنواع من الأسماك ، لتبيض في ذلك الربيع الذي يمنع فيه الصيد ، فيكبر ثم يكبر حتى يملأ السلال وبطون السفن ، السفن تحمل لها القوارب ما منحها ذلك الهور من خير وعطاء ، طيور تأتي مهاجرة من مدن سحرية لا تحتاج في سفرها طائرات ولا قطارات ولا جواز سفر مختوم من سفارات ، تتزاوج هنا لتستكين وتستريح ، تعلّمُنا المواويل ، غناءٌ تصدحُ فيه حناجر العُشّاق ، سفنُ الساكنين هنا تنسّاب مع الماء ، لا تحتاج إلى المجداف ، وعندما ينحسر الماء ويغادر تلك الديار فلا يختار موعدا إلا ذلك الوقت الذي تحينُ فيه زراعة (الشلب) حيث العنبر الذي يفوح بعطره ، يصبّحُ بأريجهِ صمتَ الطريق ، ويمنحُ السواقي بعض أمانيه كي تستفيق ، نساءٌ ورجالٌ وأطفالٌ يسّورون مزارعهم بذلك الخلق الرفيع من غير أسوار ، أسوارهم كرمٌ وعفَّةٌ ، يوزّعون محاصيلهم على الذين يشاركونهم الحصاد ، نساؤهم تشدُّ البطون بإطراف العباءات فلا تهتز لهن صدور ولا أرداف ، يحملن على رؤوسهن السلال ، ويمشين بها بذلك الدلال ، رائحةُ شواءِ السمك تخترقُ السقوف لتثيرَ الأنوف ، و(هندالُ) الرطبِ بحبالِ الحبِّ مكتوف ، يتمايلنَ بغنج ، ويسحرنَ القلوبَ والمهج ، مواعيدُ الغرام ليس لها مكان إلا خلف (البيادر) التي لا تفشي بإسرار القبلات ، العشاق يخجلون من بيادر شتلات العنبر فهم بالهمس يكتفون ، وفي الليل على الذكريات يسهرون ، البيادر من يلوذ بها مستور ، لا كـ(السواتر) من يلوذ بها مقبور..
الأهوار في الجَنوبِ تحولت إلى بركٍ آسنةٍ ، لم يبقَ منها غير تلك الذكريات ، تدور في مخيلةِ أربعةَ جنودٍ ، يلوذون في خندقٍ خلف السواتر لا البيادر … قال كبيرهم الذي التحقَ بخدمة الاحتياط ، دَعوا تلك الذكريات وليحدثنا كلُّ واحدٍ منكم عن قصةٍ غريبةٍ حدثت لهُ أو فعلٍ نَدمَ عليهِ ، وسأبدأ بنفسي لأروي لكم فعلتي التي كتمتُها خمسة عشرة عام ؛ كُنّا نخرج لصيد الطيور في كلِّ فجرٍ ومن كل قرية في ذلك الهور المترامي الأطراف ، نستتر بالقصب والبردي ، ونصوّبُ بنادقنا نحوَ الطيور التي تسبحُ وتعومُ في المياه ، وكان من بيننا صيادٌ بارعٌ يصطحبُ وَلَدهُ ، لا يخطئ مرماه وكنّا نعود أحياناً فارغي الأيدي إلا هو ، وفي فجرٍ من الأيامِ ، حضر وحدهُ دون وَلَده ، ومن بعيدٍ انتهزتُ الفرصةَ وسدَّدتُ فوهةَ بندقيتي نحوهُ أسّقطتهُ من سفينته وقد ساحت دماءه في ذلك الماء وانغمرت فيه ، تخلصتُ من تفوقه الذي منحني فرصة الاصطياد بحرية ، وضاع دَمَهُ في تلك المياه ، ولم يتعرف عليَّ كقاتل ، فلقد كان من قرية أخرى ولم تجمعني خلال الصيد معه لحظة لقاء ليتعرف عليَّ وَلَده ، وقبل أن يُكملَ ما تبقى من القصّةِ ، حتى قام أحدُ جنودِ الحظيرة ليقولَ لهُ ؛ (ولكم في القصاص حياة) ، إنَّهُ كان أبي ، ثم أرداه قتيلاً يسبحُ بدمهِ لا بماءِ ذلكَ الهور الذي أفشى سرَّ مقتلِ أبيه .
ملاحظة :
الهندال ؛ زنبيل صغير يصنع من خوص سعف قلب النخلة ، يستخدمه الفلاح عندما يحوي الرطب في أول نضجه ، دلالة على الندرة . .
الشلب ؛ الرز من العنبر أو غيره من حبوب فصيلة العنبر . .
البيدر أو البيادر ؛ الزرع المحصود يوضع بشكل هندسي اسطواني حتى يصل إلى مستوى عال محافظا على شكله ويقاوم هبوب الرياح . .
السواتر ؛ أكوام من التراب على الأرض يستتر بها الجنود عن الرصاص أثناء القتال . .

اترك رد