منبر العراق الحر :
تبقى الثقافة هي الخلفية الطبيعية للسلوك الانساني وهي المتغير الفعلي الذي يؤثر بشكل مباشر على اي تحول سياسي او اجتماعي . ومن خلال مراجعة سريعة لتاريخ الامم والشعوب سنلاحظ ان تلك المجتمعات كانت تتأثر دائما بالنمط الثقافي الذي يسود في تلك المرحلة . وثمة علاقة جدلية بين مستوى الثقافة ورفعتها وتقدمها وبين استقرار المجتمع سياسيا واجتماعيا وعادة ما يصاحب ذلك تحول ايجابي بملامح مشرفة للمستقبل والانفتاح والوعي ‘ وبين تراجع الثقافة واضمحلالها وبروز الظواهر السلبية وتصاعد العنف والاستهتار والتجاوز على الاعراف والقوانين. وتزداد اهمية الثقافة في العلاقات الدولية المعاصرة وفي شكل نظم الحكم وانشطتها المرتبطة بالحياة العامة للناس .يؤكد المفكر الايطالي انطونيو غرامشي على اهمية الثقافة ودورها في التغيير الاجتماعي والسياسي على عكس التفكير النظري ( والرهان على العامل الاقتصادي ). حيث يلعب العامل الثقافي على الدوام دورا في طريقة التفكير ووجهات النظر وبناء الدولة . وعلى هذا الاساس قامت الكثير من الاحزاب في الكثير من دول العالم بوضع برامج مرحلية ولسنوات طويلة تتبنى فيه ملفات كثيرة مثل الصحة والتعليم والسكن والطفولة . ولابد ان نتسائل هنا عن بعض النقاط :
اولا : تشكل الحضارات وعبر تاريخها البشري نمطا ثقافيا معينا وعليه فأن الشكل الحضاري وبنائه يقوم على اساس مجموعة الانساق الفكرية والثقافية وهو ما يمثل هيكل اي حضارة وطبيعتها وهناك علاقة وثيقة دائما بين الخلفية الثقافية والكيان الحضاري. فالحضارة السومرية تميزت بنسق خاص ومميز وكذلك الحضارة الفرعونية والرومانية والاغريقية . العراقيون القدماء انهمكوا بأكتشاف الكتابة والمعارف الاولية في التقنية أخترعوا الكثير من جوانب الحياة اليومية التي نراها اصبحت بديهية في عالم اليوم . وارخّوا لكل ذلك من خلال ما تركوه من رقع طينية . وقد اخترعوا اول مفهوم للوقت من خلال نظام ارقام ودائرة بدرجاتها الثلاثمائة والستين الهندسية كما بنوا اول عربة بعجلات والعاب للاطفال وسخروا قوة الريح وطوروا الزراعة وكل ما يتعلق بنظام الري وحققوا تقدما في طب الاسنان والعمارة والعمران الحضاري.
ثانيا : تمر الثقافة المعاصرة بحالة من التأرجح والصراع بين جيلين ‘ جيل مضى وجيل اخر في مرحلة التكوين والبناء وقد ظهر نوع من التضارب في الرؤية بالاجندات الوطنية وفي الاولويات بين الجيل القديم والجديد . ونلاحظ بعض ملامح هذا التضارب من خلال ما نشاهده ونراه في الشارع وفي الفضائيات وفي مواقع التواصل الاجتماعي.
ثالثا : العراق مجتمع يتميز بدرجة من الانصهار الثقافي والاجتماعي وعاش هذا المجتمع طويلا وهو في حالة وئام بين مختلف الطوائف والانتماءات والاديان ‘ فسيكون ذلك مدعاة الى ان يتبنى المشاريع وان يتصدر القيادة والريادة حتى وان مر بظروف قاهرة وحالكة وصعبة .
تبقى الثقافة هي النسيج والثوب الذي يرتديه المجتمع وهذا الامر مرتبط بمنظومة الافكار والتقاليد والاعراف والقيم وهو مؤشر مباشر على تقدم الدولة ومعيار لنهضتها وازدهارها على ان لا يبقى المجتمع مكبلا بالماضي بل بأحداث قطيعة معه ( والقطيعة لا تعني الانفصال الكلي عن الماضي وانما تصفيته من الشوائب) وتأسيس عدالة اجتماعية وهذه الامور لا تؤسسها السياسة وانما الفكر والادب والثقافة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر