قصّة (جَيشَان)….. هُدى محمد وجيه الجلاّب ..

منبر العراق الحر :
تلج بلهفة
تُقبّل خدي
و تخلع معطفها الفرو الشتوي،
تعلقه على مشجب خشبي وراء الباب، ترمي محفظة يدها و قفازيها على طرف طاولة تتوسط غرفة الإستقبال.
تتربع بارتياح على أريكة قابعة صدر غرفة صغيرة تطل بود و أمل على زقاق ضيقة، صدرها وسع السماء.
تسحب أنفاسها بعمق، تتنهد و تقول بمرح:
يا عزيزتي لن ننام هذه الليلة، خلصت من هموم زوجي، طلقني و سافر ..
تضحك مُكابرة
و تتابع: الحمد لله ارتحت من كلامه عن السياسة التي لا أفهم منها شيئاً.
– سنحتفل معاً الليلة إذاً، أنا ملكك حتى يتنفس الصباح
و أنا كلّي آذان صاغية إلى القصص و القصائد؛
للغناء و الرقص إن شئتِ.
– نعم على الرحب و السعة لكن بعد أن أذبح كُرمى عينيك إبريقاً سميناً من الشاي.
تضع يديها على خصرها: – ما دريت البخل مِن طبعك ستضحكين عليّ بإبريق شاي، يعوضكِ الله بثمن عشاء، اكسبي ثواباً فأنا فقيرة.
– أنتِ فقيرة؟
عظمك ذهب على ما أظن.
– أنتِ الذهب عزيزتي.
تنظر في عمق عينيّ تتابع بامتنان: إلى يوم الدين لن أنسى معروفك، وقوفك إلى جانبي في المُستشفى يوم الحادث.
– من غير اليوم الله لا يعيدها لا لشيء فقط لأنّ كتفي مازالت تؤلمني من رفعك على ذاك السرير العالي.
نضحك فأردف مُداعبة: في المرّة القادمة إذ نويتِ عبور الشارع العريض و أنت شاردة بغرام جديد خففي وزنك الثقيل إذا سمحتِ كي لا تكسري كتفي.
تضحك ضحكة عالية
فأضع كف يدي على فمها العريض كي لا يسمعها الجيران.
تقول صاخبة: تقولين ذلك كي تحرميني وجبة دسمة؟
لا تحلمي عزيزتي،
غداً سأبدأ التخفيف إذا بدك.
رنين الجرس يوقظ استرسال الجدال ..
أفتح الباب على وهج نور بهيّ يسرقني منّي.
يسرق الزائر الوسيم نظرة خاطفة إلى الداخل
ثمّ يتراجع إلى الوراء بخجل.
تراه مُتردداً في الولوج،
تميل رأسها كي تراه بوضوح، لتشجعه: ادخل عزيزي لا تستح.
يتردد ثانية لاستدراجه تخاطبه مُمازحة:
الله وكيل رجال على بعضنا يا صديق صديقتي.
يبتسم ..
ويحَ قلبي، تلك الابتسامة الساحرة سبب بلواي،
هي من تكسر فقرات صبري، وحدها استطاعت سلب مجمع إرادتي، تنعش قلبي، تزيد طرقاته بجنون ..
آه لو يضمّني إلى صدره لحظة، يشعرني ببعض دفء
ضمن غول هذا الصقيع.
مُسرعة كي أقطع سحب أطناب نفس راغبة بالبوح،
أشير بيدي نحوها: أعرّفك صديقة أيّام دراسة الثانوية ..
تقاطعني: سنتعرّف بعد العشاء الدسم
اذهبي كما اتفقنا.
تنظر في ربيع وجه مُزهر، تتفحص ملامحه الهادئة، فتغرق في مروج طريّة ورياض سهول حلوة الاخضرار.
تقول و هي مازالت تبحر و تغوص بجرأة في بحر أخشاه:
إلى الآن لم تتحفنا بإبريق شاي، كما يبدو بات حلم هذه الليلة البخيلة.
أقف مُتخشّبة مثل عامود ثياب، تسحبني عنوة مِن يدي تأخذني إلى زاوية الغرفة، تضغط شفتها السفلى بأسنان صفراء ثمّ تهمس في أذني بصوتها العريض ..
تملؤني رائحة دخانها مع غرابة لمْ أستطع قراءة ذرّاتها لحظتئذ: هذا حبيب القلب الذي صرعتِ الدنيا به من قصائد غزل و وجدان و ما أدراك من لحن عطر و كلام.
تأخذ نظرة خاطفة فينظر إلى بلاط الأرض بحياء البنات.
تتابع بخبث: لكنّه يستحق يا ذوق.
أغطّي فمي بكفّي:
كفى أرجوكِ هو خجول يستحي مِن خياله
إذا سمع كلامك سيرحل على الفور،
لا أصدق أنه أتى.
أعود إليه لأستأذن في صنع الشاي،
يبتسم كالعادة.
يرشقني نظرة قاتلة، يقفز فؤادي طائراً إلى سقف الغرفة دفعة واحدة و يهبط مسرعاً ليرتطم بأرض واقعي المأسور ..
في سرّي:
نقطة ضعفي تلك الابتسامة
ربّاه يا لجاذبيتها الطاغية.
أتعثر بطرف طاولة بلهاء، أميل نحوها أوشوش: لقد وعدني على الهاتف قبل قليل أنّه لن يتركني هذه الليلة بالذات
حتى لو طردته.
أكمل شرحي بملل: اليوم عيد ميلاده،
أظنّه سيصارحني بحبّه أو سيطلب يدي،
أرسلت في طلبك فقط خشية كلام الناس
فلا تكثري الهرج و المرج.
أشد أذنها مُداعبة: أعرف ثرثرتك يا خبيثة.
تضحك بصوت عال:
لا تهتمِّي عزيزتي اتركيه لي،
فقط ادعمينا بما عندك في برّادك السمين.
في المطبخ أفكّر،
في روعة ابتسامة ساحرة
في جاذبية نظرات مغناطيسية تسوق عنوة إلى درب أعمى الخطوات ..
أهز رأسي كي أتحرر مِن قوّة الإرسال ..
الأطباق جاهزة على طاولة المطبخ،
التبولة، الفواكه، قالب الكاتو، لو أنّها لمْ تطلب العشاء، لأصبحت غنية،
لو أنَّها تمنت شيئاً ثميناً ..
أنتبه للشاي: آه ؟
تقول دواخلي بغوص أكبر في العمق
و أنا أرفع غطاء الإبريق:
لمْ يغلِ بعد لو أنني وضعته على بركان قلبي المشتعل لكان الأمر أسرع بكثير.
أترك سجن المطبخ، اتجه نحوهما
وأنا أحدّث روحي:
ربّما يمرّ الوقت معهما أسرع.
ينهضان معاً ..
تقول متأتأة: أتاني اتصال مُستعجل، اعذريني عزيزتي
غداً لنا لقاء.
تتابع مواسية:
لا تقلقي عزيزتي سأحضر أمسيتك غداً في مركز ثقافي العدوي.
مُسرعة ترتدي معطفها و تحمل محفظتها و تركض.
يلحقها دون التفاتة إلى وجهي الذي تعبت في تلوينه بكلّ
ما عندي منْ حُبّ و شوق و ألوان.
يناديها بسمفونية دهاليز أذنيّ إلى الآن:
– انتظري سأوصلك على طريقي.
حرام كي لا يزعجها أحد على الطريق.
تراجع ذاتها كونها نسيت وداعي فتستدير نحوي تقبّل خدي و تركض
ليلحق بها مثل خيَال مأسور.
أرى قفازيها: آه سألحقها لم تبتعد. أفتح الباب ..
أراهما بأمّ عينيّ يسيران متلاصقين يشبكان أيديهما كعاشقين،
أغلقُ الباب المخدوع على أجزاء مُقيدة
ثمّ أعاود فتحه غير مصدّقة أنّهما تركاني
على هذه الطريقة السافرة.
أقفلُ أبواباً عديدة
وراء خداعهما،
أرمي ألف مفتاح و مُفتاح
و أعود إلى جدران مطبخ غافل
دون شعور.
أراني إبريقاً غبياً تعدّى الجيشان و بدأ مرحلة الغليان.
أطفأ الغاز المتآمر و أرجع إلى مكان كان قبل قليل ينبض
ببعض آمال.
ألغي مُعظم الإنارة
و أشعل شمعة للإحتفال بعيد ميلاده
أراني جداراً مُمتلئاً بحبيبات ندى،
بعد لحظات أغدو جامدة
ثمّ أبات كرسياً بلله دمع سخي ينساب دون جواب ..
مُنذئذ ما زلتُ أغمض
كي تسطع صورة دواخلي
نجوماً ضاحكة
يختفي الطيف
بلمحة هاربة
و مذاق قُبلة لمْ تحصل تتلاعب و تعفرت
على شفاه الوهم
و ينحرني شوق و يُطوقني حنين
ينال منّي تعب ينخر أوردة و شرايين ..
يفوحُ عطر شقي
ينثرُ الأنين في زوايا نفس تلهث راغبة ..
سنوات مرّت
و ما زلت أهذي ..
يأتيني طيفاً مُتردداُ، يبتسمُ بخفر عذراوات
و يطلُّ صبح مجهول النوايا،
يطرقُ باب الشعور
فأندسّ تحت لحاف راغب
و تحبك فراشات الخيال المتطوّع خيوطها الخصيبة ..
هذا المساء الدامع سأشعل شمعة عيده مثل كلّ عام ..
اليوم ذكرى عيد ميلاده مع إيقاع اسم يردده فراغ الصدى ..
تشهق حروف مُتوجعة
يخونني الصبر فأجدني أسأل مُستغربة:
عجبي
لا أزال أتسول على أعتاب قاسية قطرة ندى
و أنا وسط سحابات ..
حافية كلّ ليلة أتركُ قطن الفراش و حرير ملابس لأطارد
وهمي فوق جمر و أشواك.
..
.. هُدى محمد وجيه الجلاّب ..
سورية ريف دمشق
مدينتي النبك عروس القلمون

اترك رد