هل العرب مهيأون لإنتاج نموذج ثقافي جديد يواجه النموذج الغربي؟

منبر العراق الحر :

إزاء الثورة المعرفية المعاصرة وما طرحته وتطرحه من تحوّل جذري في المفاهيم والأعراف والأنساق الفلسفية والإيديولوجية، هناك من لا يزال يراهن على “نموذج ثقافي عربي” يواكب النموذج الثقافي الغربي، أو ربما يتجاوزه انطلاقاً من أنّه يمكن للحضارة العربية رفد الحداثة بقيم إيجابية تحتاج إليها لـ”الحدّ من غطرستها وتعاليها”، الأمر الذي يزيل غربتنا عن الحداثة ويجعل من الإسلام مكوّناً أصيلاً في نقد الحداثة وتصويب مسيرتها.

 رهان ينهل في رأينا من مقولتي التفوق والتأصيل الشائعتين في فكرنا العربي الحديث والمعاصر منذ اصطدامنا بعقل الحداثة وإنجازاتها الحضارية.

ففي محاولة لرتق الجرح النرجسي الذي خلّفه شعورنا بالتردّي والفوات الحضاري إزاء الغرب وتفوقه في كل الميادين، أدمنّا على الإدعاء بتفوق حضارتنا تاريخياً وسبقنا العلمي والفكري باعتبار علوم الغرب وتقدّمه ونهضته ذات أصول في حضارتنا العربية. وأنّ ما يتحدّانا به من إنجازات علمية وثقافية إنما هو “بضاعتنا رُدّت الينا” وهي المقولة المتوارثة من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وفرنسيس المراش ورشيد رضا الى راشد الغنوشي ومحمد عابد الجابري وحسنين توفيق ابراهيم وسواهم.

 لكنّ هذا الإدعاء الذي يبلسم “وعينا الشقي” يتجاوز حقيقة أنّ الحداثة شكّلت فضاءً جديداً بالفعل، بما أرسته من قيم وتصورات غير مسبوقة بصدد الإنسان وموقعه في الكون، والعقل الإنساني ومرجعيته المطلقة، والسلطة وشرعيتها، ما أسّس لمفاهيم الفرد والحرية الفردية والعقد الإجتماعي والمجتمع المدني.

وبينما بقيت هذه المقولات الحداثية من دون سند إيديولوجي في فكرنا العربي، وبينما يبقى السؤال النهضوي الكبير “لماذا تأخّر العرب وتقدّم الآخرون؟” عالقاً، يُطرح على المثقف العربي إنجاز نموذج ثقافي جديد يشكّل إسهاماً جدّياً في نقد فكر الحداثة وما بعد الحداثة.

هل في إمكان العرب أو مثقفيهم الإضطلاع بهكذا إنجاز يعيد النظر في الفكر الإنساني الحديث والراهن ليطرح قيم ومبادئ ومقولات تشكّل إضافة نوعية وثورية الى هذا الفكر؟

كي ينخرط العرب من خلال مثقفيهم في مثل هذا النقد الجذري والخطاب التجديدي يجب أن يبدأ أولاً من بنية سياسية واجتماعية وفكرية، تمثّل فكر الحداثة وثقافتها ومقولاتها، وتكون قد وصلت الى استنتاج أنّ هذا الفكر في أزمة وأنّه لم يعد قادراً على الإجابة على ما استجد من أسئلة وتحدّيات. فهل هذا هو واقع العرب وهل هذا حال مثقفيهم؟

التراكم الكمي
 إذا كان الغرب قد توصّل الى نقد الحداثة بما تعنيه من قيم العقلانية والحرّية والتنوير بعد قرنين من الذهاب في هذه المقولات الى نهاياتها، فإنّ العرب لم يعرفوا إلاّ حداثة معطوبة مستوردة لم يشاركوا في إنتاجها أو صنعها.

وإذ يتعايش التراكم الكمي لمنجزات حضارة لم تنبت في أرضنا مع النمط التقليدي في الفكر والذهنية، تبدو المنشآت المدنية والعصرية وكأنّها واجهات خارجية تثوي في داخلها روح الماضي وقيمه ومفاهيمه، ويستمر فكر الريف والبادية وراء جدران المدنية وشوارعها، ويظل الإغتراب قائماً بين العلم والثقافة.

عليه بقي دور المثقف العربي محدوداً ، فكان بالإجمال مقلّداً ودون إبداع حقيقي، ودون موقع مميز في تجديد المجتمع لأنّه يعمل في بيئة غير مؤاتية، حيث الأمية مرتفعة، والإنتاج العلمي ضئيل، والتردّي الثقافي والمعرفي ناتئ، والسلطة السياسية مستبدة طاغية، وقدرة المثقف على الوصول إلى الجماهير شبه مستحيلة بسبب الأمية الثقافية والإستهلاك شبه المعدوم للثقافة النقدية التجديدية، مقابل ثقافة الإستهلاك والخرافة والتقليد.

إنّ تجديد الخطاب الثقافي لم يكن ولن يكون من مهام المثقف، كما لو أنّه يستأثر وحده بقيادة الحراك الإجتماعي والسياسي، بل إنّ ذلك التجديد لا يمكن أن يكون إلاّ النتيجة الحتمية لمجتمع يتمتع بدينامية فكرية وسياسية واجتماعية.

فهل كانت ثورة الغرب الحداثية نتيجة لأفكار هوبز ولوك وروسو ومونتيسكيو، أم أنّ مجتمعات الغرب بديناميتها الإجتماعية والسياسية والثقافية هي التي أنتجت مثقفين مثل هوبز ولوك وروسو ومونتيسكيو، وأفكاراً مثل العقد الإجتماعي، ودولة الحق، والحرّية السياسية والإجتماعية؟

 لا نتطلع هنا الى نفي دور المثقف ولا إمكان التجدّد والتغيير في مجتمعاتنا، بل جلّ ما نريده تجاوز الطرح الأحادي بإسناد الأولوية الى عامل محدّد ثقافي أو اقتصادي أو سياسي أو طبقي، لنذهب الى أنّ التغيير إما أن يكون شاملاً وذا مقدّمات ومنطلقات تاريخية، وإما أن يبقى طوبى لن يكتب لها التحقق والإنجاز.

ولكي نشكّل مكوناً أصيلاً في نقد الحداثة وتصويب مسارها وإزالة غربتنا عنها، يجب أن نعيد النظر في حراكنا التاريخي كله، وننخرط بشكل فاعل وجدّي في سيرورتها الثورية بكل ما تعنيه من انقلاب في القيم والأعراف والمفاهيم .

كريم الحلو …..النهار العربي

اترك رد