في همسات الوجود وأصداء الزمان….راوية المصري

منبر العراق الحر :

في همسات الوجود وأصداء الزمان، حيث تستريح الروح بحثًا عن ملاذ في ما بعد الحياة، يُرصع الأفق بفؤاد ينبض بالأمل نحو «الجنّة» الموعودة.
فهل لزمن الغيب أن يقبض رهان الإنتظار، إذا ما كانت المنان السماوي الخلاص من شقاء الوجود، يمكن الوصول إليه عبر عبور مياه البحر الزرقاء، بين جداول الزمان وخلجان المكان؟
وكما الجدود الغابرون، اختار أحفاد طارق العظيم، الذين لا تقلّ شجاعتهم عراقة عن سلفهم المقدام، سبيل المجهول بكل إقدام. ضرموا سفن التردد بلهيب الإصرار، مودعين أرض اليقين، دون أدنى فرصة للهروب أو العودة، لا يبتغون إلا الفوز بدار المنى أو الكنوز البهية.
هؤلاء «الحرّاقة»، بنوا لهب عزائمهم سدًا مانعًا ضد تيارات اليأس، إذ قضوا على كل ما يشير إلى هويتهم، جوازات السفر التي قد تكون بصيص أمل للعائدين، أو شعاع عذاب للنادمين، أحرقوها كي ينجوا بأرواحهم بلا حدّ، دون أن يتركوا لخفر الضفة الأخرى فرصةً لردهم حين يطؤون شواطئهم كالغزاة الوافدين من البحار العميقة.
هي إذن لعبة الشطرنج البشرية حيث الملوك والحراس، لا يمكنهم التعرّف إلى أولئك القادمين المكتنزين بعبق المحيط، لأنّ لا ملامح للأسماء على وجوه الموجات، ولا شكل للأصل في تضاريس العباب.
وإنما إذا ما ابتلعتهم اللجّة واحتضنتهم أعماق البحر، فإن الأمواج العاتية لن تفرّق في مجرى القدر بين غريب ومألوف، بل ستكون الأمواج نفسها الراهبة التي تختار لهم مرقدهم الأبدي.
لتلك النفوس الهائمة، التي لم تعتزّ بشيء سوى الأحبة الباقين وراءهم، كيف لا تتحول الرياح والأمواج إلى رسل الوداع الخالد، حاملةً بين ثناياها أشواق المسافرين الفاجعين، الذين يصارعون بكل ما أوتوا من عزم وصبر موجات العنفوان.
هم على يقين، بعمق الروح وشجاعة القلب، أنها ستعانقهم بعناق الأبدية، وتسحبهم إلى أعماق حيث العودة محال. فقد أضحت رحلتهم لا تعدو عن كونها مسرحية كونية، حيتاني يُختبر فيها الإنسان بلوازم شجاعته، يُطلق فيها سِرب الأرواح بلا قيود إلا إرادة وعزيمة البقاء.
ها هي دنيا الفانية تُطوى، ويُفتح الفصل الجديد من الملحمة حيث البطولة قضاء وقدر، والفصل الأخير لا يكتبه إلا موادع النفس وراء الأمواج.
ما الذي يملكه الغرقى ليخسروه غير هذا العالم البالي، الذي تنكر لهم في أصقاعه، وضاق بهم في رحابه؟ ففي أزمة الروح واختبار الوجود، نطق البحر كعرّاف بليغ، وأمواجه قصائد حب تلثم الشفاه الأبدية.
إنه الغموض الأزلي الذي يختلط بأصداء الرثاء وهمهمات الوداع، فتلك هي الرحلة السرمدية حيث تتكسر مواويل الأمل على جدران الممكن والمحال.
هكذا يعيد التاريخ سيرته، وتتجدد ملحمة الإنسان مع كل نبضة وبكل شهيق. فمن له بجمال الكتابة وقدرة الانعتاق، يجيد كتابة قصته بمداد البحر وأحزان السماء، ينحت في صفحات الزمان سطوره الخالدة. لا شيء يثقل كاهلهم الآن، فقد تجردوا من كل انتماء عابر، ليصيروا جزءاً من الأسطورة العابرة للأرض والماء والسماء….
بقلم: #راوية_المصري

اترك رد