منبر العراق الحر :
لم تغادر ذاكرتي تلك الفتاة التي كانت شابّة جميلة تملك القلوب، ذكيّة تسرق العقول، شُجاعة تُخيف القطط السوداء وقت الغروب حين كانت طفلة، واثقة الخطوة تشعر بالزهو، من أسرة مثقّفة لم تُشعِرها يوماً بالفرق بينها وبين أخوتها الذكور، بل كانت في أحيان كثيرة تتصوّر أنّها أشجع منهم.
أمّا الأخت الصغرى فكانت رقيقة نحيفة، عروق يدها كأنّها أغصان شجرة رمان في ظلال ماء رقراق، ابتسامتها كالربيع تفتح الأزهار وتجعل الدنيا مشرقة جميلة.دائماً ما كانت الأخت الكبرى تشعر بمسؤوليّة حيال تلك الصغيرة، وأنّها قد خُلقت لتكون لها أمّاً وأختاً وصديقةً، تخاف عليها من النسيم إنْ بعثر شعرها الأشقر الطويل، وتنهال عليها بالنصائح كلّما سنحت لها الفرصة بذلك، ولا تبخل عليها بأيّ حوار أو استفسار. في إحدى المرّات وأثناء عودتهما من المدرسة، في ذلك الشارع الطويل المشمس المحاط بالأشجار وحدائق الورد الأحمر على جانبيه، يشبه حمرة خدودهما، وبوح الحمائم يخترق هدوءه، في مدينة فيها يجلس الناس في المقاهي متلذّذين بهوائها الطلق، كان هذا الشارع الطويل يربط بين المدرسة والبيت، ودائما ما كان الحوار هو المرافق لهنّ، وأحياناً أخرى يغنّينَ أغنيات يستذكرانها معاً. كانت الشقيقة الكبرى تشحن همّة الصغرى لتجعل منها امرأة شجاعة كما هي، أخبرتها:
-إنّ المرأة تريد كلّ شيء ولا تعمل هي على ذلك الشيء الذي تريده.. فتجدينها حتّى حين تتعرض لإساءة أو اعتداء.. تكون وسيلتها الوحيدة هي الصراخ.. ولا تجيد سوى ثلاثة أشياء.. البكاء..الإغراء.. والدهاء.. في حين أنّها تستطيع أن تكون كالنحلة تصنع العسل لمن تحبّ.. وتلسع بشدّة إنْ تجاوز أحدهم حدودها
ردّت الأخت الصغرى:
-يا أختي.. إنّ دمعة واحدة من امرأة جميلة كفيلة لدحض جميع براهين الرجال
-هه هه.. لكن أيضاً أذكى امرأة قد تخدع بسهولة من أغبى رجل إذا أحبّته.. وعليكِ أن تعرفي شيئاً آخر.. إنّ المرأة قوية -حتّى بذراعها- إنِ اصطدمت برجل معتدٍ تستطيع الدفاع عن نفسها بقوّة تنافس قوّة عضلاته.. لكنّها تعلمت الخنوع وتلقّي الإهانة والذلّ وهي ساكنة كالدجاجة!
-بالله عليكِ حبيبتي؟!.. إنّ عضلات الرجل أقوى من المرأة بكثير.. صفعة واحدة على الوجه كفيلة بإسقاطها أرضاً وبفقدانها وعيها ساعة.. ومن الرائع لو أفاقت من غيبوبتها دون فقدان الذاكرة!.. ظلّت الأخت الصغرى تضحك.. اخترقت قوّة ضحكاتها هديل الحمائم وأصابتهما بالخرس! أجابتها:
-هل تعلمين أنّ تسعة أعشار المرأة قوّة وشجاعة وذكاء والعشر الآخر فتنة؟
-وهل تعلمين أنّك تملكين من الجمال والذكاء بحيث قد لا تكوني بحاجة للتفكير بالعضلات كما هو الرجل؟!.
زادت وتيرة الجدال بين الأختين حول العضلات والجمال والذكاء، وفي لحظة سُرقتْ من زمنهما الجميل، تقدّم شابان حاولا التحرش بهما، وبأسرع من الضوء انهالت قبضة الأخت الصغرى الرقيقة على وجه أحدهما وأوسعته ضرباً، مزّقت قميصه الأبيض وقطّعت أزراره التي تطايرت في الهواء، في حين تسمرّت قدما الأخت الكبرى في الأرض، وتجمّدت دماءها في العروق، وأخذت تصرخ ودموعها تنهمر كقطرات مطرٍ، والشابّ أخذ يستغيث في حين هرب رفيقه من هول ما شاهده من عنف وردّة فعل من تلك الفتاة الرقيقة، وصراخ أخت كبرى تستغيث مع استغاثة المعتدي بكلّ قوّة:
-اتركيه.. اتركيه أنفه ينزف.. كفى .. كفى استحلفكِ بالله يا أختي دعيه يذهب!.
………………….
منى الصرّاف / العراق
منبر العراق الحر منبر العراق الحر