منبر العراق الحر :
حاولتُ أن أكون طفلا، فأدخلوني معسكرات الطلائع والأشبال والكشّافة، وطبّقوا عليّ النظرية الثورية القائلة بحرق المراحل، فاحترقتُ احتراقا ناقصا.
حاولتُ أن أكون مراهقا نزقا، كبّسوني باكرا تحت نير المقدس والممنوع والكلام المباح، فقرّعت روحي من الحراثة في أرض الصوّان القاسية المراس.
حاولتُ أن أكون شاعرا مشهورا، شطّبوا روحي كي يطردوا مني الروح الشريرة أولا، ثم قزّمني حائط الشبه وظلُّ جَدي عليه، بعد أن أخضعوني لسلطات المدارس المستبدة.
حاولتُ أن أكون نحّاتا، لم أتعلّم حوار نفسي والآخرين كي أحاور الحجر، وكنتُ عنيدا منكمشا على نفسي أكثر من الحجر، ولم تنطق لوحاتي الحجرية حرفا واحدا إلا في الفروع الأمنية.
حاولت أن أكون رسّاما، لم أرسم سوى الفزّاعات للألوان من محبرة الخوف، وكانت بعض لوحاتي تشبه الضروع من هوة الفقدان، وكنتُ أعلقها في المناسبات الوطنية والحزبية.
حاولتُ أن أكون سياسيا، طعّموا لساني بطعوم عديدة، لا تثمر، بل تورق للتصفيق، وتصلح جذوعها للتخشيب.
حاولت أن أكون عاشقا منفلتا من العقود والقيود، قاموا بتطبيع حواسي وصار قلبي وديعة في علبة سردين كوديعة “رابين”.
حاولتُ أن أكون أميّا مبدعا، علّموني لغة المجاز.
وحين حاولتُ أن أكون نفسي، كنتُ مجنونا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر