منبر العراق الحر :
في نيسان ماطر حيثُ بدأتِ العاصمةُ الفرنسية تشربُ الدفءَ، وحيثُ تستطيع فساتينُ النّساء أنْ تتناغم مع موسيقى خطوات الأحذية العالية الكعب، فيكون بمقدور أيِّ شاعرٍ قد حضر الآن رومانسية شارع الشّانزلزيه أنْ يسرح بنشوة الكتابة لتكون مقاطع القصيدة مناديل مطرزة بتلك النّظرات الشّاعريّة، التي ارتدتها مدينتك كما قميص النّوم وهي تودع فيك الحقائبَ والأحلامَ وعيونَ ممثلاتِ سينما الأندلس الشّتوي في النّاصريّة.
في تلك الأمسية يختلط مساء باريس بمساء بعيد في قرية الشّواهين حيثُ يجلسُ المعلمون على حصيرة القصب فوق الطّين البارد لضفاف الأهوار، ومعهم يجلسُ جهاز الكاسيت وفي وسطه يجلس صوت وردة الجزائريّة يبثُّ في كلِّ واحد منا مشاعر تختلف تماماً عن مشاعر من يجلس إلى جانبه، وكلُّها ممتلئة أنوثة وحنينناً وذكرياتٍ وأحلاماً عاشقة حيثُ أغلب معلمي مدرستنا عزابا وعاشقين.
ومتى غنَّتْ وردة سرحتْ قلوبهم حتّى العيون تذهب صوب جهات مختلفة وحتماً في أفق كلِّ جهةٍ هناك وجه امرأة.
كنا نشعر أنَّ بيوت قرية الشّواهين لا يهمها من صوت وردة أيَّ متعةٍ للسماع، فمن يطربهم هو صوت ناصر حكيم وجبير الكون وداخل حسن، حيثُ لا يسمعون هذه الأصوات من المذياع أو مسجل الكاسيت فهم لا يمتلكوه، لكنَّهم يسمعون هذه الأطوار من حناجر حزينة تقلد تلك الأصوات وأغلبهم من أصحاب الشّخاتير الذين ينقلون أهلَ القرية إلى برِّ مدينة الجبايش حيثُ تذهبُ النّساء ليبعن بضاعتهن من الحليب أو القيمر أو عندما يهبُ الرّجال إلى دكاكين العطارين لتسوق السّكر والشّاي والتّبغ وبعض الحاجات. وأهمها أعشاب ورد لسان الثّور خصوصاً في الشّتاء ليعالجوا به سعال صدورهم المكشوفة في صباحات البرد حيثُ عليهم قيادة قطعان الجواميس إلى مياه الأهوار والقصب.
ولكنهم حين يقتربُ شهر محرم (عاشوراء) يزيحون تلك الحناجر ويلجئون إلى حنجرة قارئ المنبر وهي تحول لهفتهم إلى سماع قصة الإمام الشّهيد، الحسين بن علي (ع) الذي يحبونه من داخل أرواحهم، وقد أخبرهم القارئُ أنَّه وأهله جاء إلى كربلاء بوعد، ولكنهم قتلوا سفيره مسلم بن عقيل(ع) وخذلوه. وقتها يكون علينا أنْ نطيعَ قدسية الشّهر فلا نفتح مذياعاً أو مسجل كاسيت، وحتّى نظهر لهم تضامننا مع حزنهم الذي يذكرنا بحزن آبائنا العاشوريّة في المدن التي تركناها لنتعين معلمين في مناطق الأهوار، ونبقى نبحث في الإذاعات عن منشد حسيني (رادود)، فيتوفر هذا أكثر في اليوم العاشر حيثُ يبدأ منذ أوَّل الصّباح المرحوم عبد الزهرة الكعبي ليروي لنا قصة مقتل الحسين (ع)، فنضع المذياع بأعلى صوته صوب بيوت القرية لتصلهم لوعة حنجرة الكعبي وهو يحدثهم بمراثي الأيام العشرة الأخيرة في حياة الحسين ع وأهله.
وما أنْ ينتهي محرم، تبقى أحزان عاشوراء في قلوبهم ونحن ندير الكاسيت إلى هواية السّماع القديمة، فلا يعيرون إلى ذائقتنا الانتباه، ويبقون يمدون خيط حنين ليالهم إلى جبير الكون وحناجر أصحاب الشّخاتير سوى عامل الخدمة شغاتي، فلقد أسره صوت وردة تدريجياً، واسمعه يردد بعض مقاطع أغانيها، وهو يقترب مني ويقول: بعض الكلمات لا أعرف معناها ولكن صداها يطربني.
والآن في الشّارع الباريسي الشّهير يفاجئني صوت وردة من مقهى أظنَّه لرجل مغاربي، وقد وجدت كرسياً فارغاً في مقدمة المقهى الصّغير، وطلبت فنجاناً من القهوة لأعيش متعة الذّكرى وصوت المطربة الجزائريّة، ومعهما يحضر وجه شغاتي القابع الآن في ثرى مقبرة النّجف وقد أوصى حين يموت أنْ يدفنوا معه يشماغه، وحين سألته مبتسماً عن غرابة وصيته.
قال: لأنَّ هذا اليشماغ شهد كلَّ ايامي الجميلة في المرعى. إنَّه مثل سدارة الملك ، التي كان يجب أنْ تدفن معه.
أضحك الآن فقد علَّمنا شغاتي القراءة والكتابة، وأصبح بمقدوره أنْ يستعير كتباً ثقافية من المعلمين ويفتخر أنَّه الأول من أهل قرية الشّواهين من اشترى مذياعاً.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر