تأبط شرا …كريم خلف الغالبي

منبر العراق الحر :

تذكرت طفولتي وأنا أجلس على حافة نهر تفرع من نهر آخر ، لم أبحث عن أصوله ، فللأصول ذيول ، وللأطراف حواف ، الحافة التي أجلس عليها لا تساوي بعد ساق ، عن سطح ماء أخذ بالانحسار كأطراف ليل طلع عليه النهار ، كانت قدماي تغط في الماء ، تنقرها أسماك صغيرة لتأكل ما علق فيها ، لم أخش ما في الماء من حيتان ، رغم إنَّ جدتي تحذرنا من وجود كلاب فيه ، لم أصدق إن في الماء كلاب كما هي في الصحراء ، فالله لا يكرر خلقه إذا اختلف المحيط ، وتباينت الأماكن ولا يهدد خليفته على أرضه ، ونصيحة جدتي مجرد اختلاق ، كي نعود إليها أحياء في المساء ، هكذا كان عقلي يفكر ، أرسم على آخر ورقة من دفتر مهمل ، صورة رَجُلٍ أفندي ، أجيد فصال بنطاله ورسم موضة قميصه ، من غير أن أرى فيلما يعرض من على شاشة سينما بهو البلدية في الناصرية أو سينما أطلس في شارع السعدون ببغداد أو سينما الخيام التي لا تنام ، وبعد أن تكتمل الصورة ينتابني خوف عليه ، أعيد صناعة تلك الورقة جاعلا منها سفينة ، أضعها على سطح الماء بهدوء ، أتوسل بالريح أن تجري بتلك السفينة وأترك لها الجهة التي تريد لا الجهة التي أريد ، لعل ذلك الأفندي يرجع من حيث أتى ، أتصوره يلوح لي بقبعته التي رسمتها بإتقان ، مودعا أياي بلا رجعة ، القبعة التي رسمتها لم أعرف منشأها ، مكسيكية ، أمريكية ، هكذا رايتها لكنني تذكرتها جيدا عندما شاهدت أول فيلم كابوي على شاشة سينما الأندلس ، أو ربما سينما بهو البلدية ، كان بطل الفيلم يرتدي الزي نفسه الذي رسمته والقبعة نفسها ، شاهدته جيدا وترقبته عندما سدد بمسدسه آخر طلقة فيه ، وضعها له عشوائيا حاكم المدينة ( الشريف ) في بكرة المسدس المغلقة ، وعليه أن يسدد رميته نحو حبل ممدود ، يلتف حول رقبة قاطع طريق ، الرمية لابد أن تتزامن مع آخر نبض لدقات ساعة جدارية معلقة أمامه ، قاطع الطريق هذا يشبه تماما صعلوك عربيّ جاهليّ أبيّ ، تخيلته تأبط شرا أو الشنفري ، لم يأخذا نصيبهما في الحياة ، وكذلك بعد الممات ، فلم يصفق لهما أحد ، ولم تعرض لهما دور السينما أو إحدى المسارح مشهدا ، كان جمهور السينما يصفق لبطل الكابوي بحرارة ، وما أن أصاب هدفه حتى علت الأصوات ، لتقفز من أماكنها الأجساد ، تهف لهذا البطل بلا هوادة ، طرزان الذي يجوب المدينة في الزحام ، أعلاميٌّ همام ، يحمل على أكتافه صورا ملونة لهذا البطل على لوحة خشبية ، يردد أمام الملأ ما فيه من صفات كي تتزاحم على مشاهدته الأحياء قبل الأموات ، تطوف معه من الناس عشرات ، مرت الأيام ودارت الأيام ، عاد ذلك البطل يقود طائرة حربية ليقصف بها سينما بهو البلدية .
——————
تأبط شرا ، الشنفري : شعراء صعاليك في الجاهلية يهاجمون قوافل الأغنياء لتعيش به الفقراء .
الأفندي : الشخص الذي يرتدي البنطال والقميص .
البطحاء ، الأندلس ، بهو البلدية : كانت دورا لعرض أنواع الأفلام في الناصرية .
أطلس ، الخيام وغيرها : صالات مكيفة لعرض الأفلام في بغداد .
طرزان : شخصية معروفة في مدينة الناصرية يقوم بمهام الدعاية للأفلام التي تعرض آنذاك .

اترك رد