منبر العراق الحر :
لماذا توقف القطار؟
سأل ابنه بعد أن استيقظ من النوم متأخرا.
-لقد بدأت الحرب يا أبي، وهددوا بقصف كل من يتحرك على الأرض، يوم أمس قصفوا سيارات المسافرين المدنية، لهذا قررت الحكومة إيقاف حركة القطار.
في البيت القريب من محطة المدينة كان يستمع كل يوم لصوت القطار، يستيقظ صباحا على صوت صفارته حين يصل المحطة، ينزل عنه الركاب العائدون إلى المدينة، ويصعد له من كان ينتظره ليذهب نحو المدن الأخرى، وأكثرهم يتجهون نحو بغداد، يدفع به الفضول أن ينظر من نافذة الغرفة إلى الركاب، ربما يعرف بعضا منهم.
كان الاختباء بالعربات الفارغة لعبته المفضلة في الطفولة مع بقية الصبيان، وهنا عند رصيف المحطة شاهدوا قصصاً لا تحصى عن وداع الأمهات لأبنائهن، عناق ودموع وأحضان، جنود يصعدون إلى الحروب التي لا تنتهي في هذه البلاد الصاخبة، من هذا الرصيف كان زفاف العرسان إلى الغرف السياحية، وتنتثر أفراح العوائل مع الچكليت المرشوش على رؤوس العرسان، من هذا الرصيف صعد العديد من الشباب والرجال إلى القطار، ولم يعودوا إلى المدينة، وهنا كانت تجلس الأمهات والزوجات تنتظر العائدين من الحرب، صوت عجلات القطار الحديدية واحتكاكها بالسكة انغرست مثل ترنيمة تنمو مع عظامه، وكثيرا ما كان يتخيل نفسه راكبا بالقطار ومتنقلا بين المدن.
خبر الحرب جعله يشعر بأسى وفراق لهذا الجسد الحديدي الذي كان يشعره بالحركة، كان يتخيل نفسه القاطرة التي تجر العربات كل يوم في نزهة بالبلاد يتجولون متنقلين بين بساتين النخيل والأهوار يعبرون الأنهار فوق الجسور يزورون المدن حتى يبلغوا بغداد المدينة المضيئة الملونة التي تنتشر فيها المطاعم والمقاهي ومحال الحلويات وروائحها الجوالة في الشوارع.
يستعيد ذكرياته القديمة، وكيف اصطحبه والده معه إلى بغداد عندما كان صغيرا، وهو ما زال يتذكر كل ما حدث في تلك الرحلة، كان أبوه قاطعاً للتذاكر يمضي يوما كاملا في غياب عن الدار متنقلا بين محطات القطار، ثم يستريح في اليوم الثاني، كان القطار يعمق عنده حب السفر والتفكير بالسفر البعيد عن البلاد، مثلما يفعل بعض الشباب الذين يغادرون بلا عودة.
اليوم لن يمر القطار، الهدوء يخيم على المحطة الخالية من الركاب والموظفين، خلل ما يبث فيه تداعيات وأفكار إعادة له أحزانه القديمة وشعوره باليأس من السفر بعد تلك الشظايا التي أصابته خلال حرب الثمان سنوات، وجعلته يمشي بصعوبة على عكازتين، وكثيرا ما كان يحلم في منامه أنه يركض وراء القطار ويسبقه! حلم راوده سنوات طويلة.
كان يطرب لصوت المغني وهو يردد؛
”نازل يا قطار الشوك … نازل هاي ديرتنه”
كانت البيوت تخلو من أهلها، لأن غالبية العوائل غادرت المحطة خوفا من القصف والتهديد بالكيمياوي، أكثرهم ذهبوا نحو أقربائهم في الأرياف أو القرى القريبة من المدينة.
فراغ يبعث على الحزن، جعله يلعن الحرب ومن تسبب فيها بصوت عال، وهذا الوجوم ومشاعر الحزن والخوف الذي سيطر على من تبقى من العوائل والعاملين بالمحطة، ذكره بتلك الواقعة التي اهتزت لها المحطة وبقية في ذاكرته منذ ثلاثين سنة مضت، يوم جاءت سيارات الشرطة المسلحة لتطوق المحطة، وتمنع الدخول لها، ثم جاءت عجلات عسكرية كبيرة ومغلقة، وأعداد كبيرة من رجال الأمن يحملون بأيديهم بنادق رشاشة، انزلوا من العجلات عددا من الشباب وهم في حالة إعياء شديد، وقد وضعوا القيود بأيدهم، وبعضهم قيدوا أيديهم وأرجلهم، هؤلاء الشباب كانوا يرسلون ابتسامات للصبيان، ومن وقف قريبا منهم، ابتسامات خفيفة كانت تبث لدى الصبيان فرحا مشوباً بالخوف، ربما بسبب شعورهم الطويلة ولحاهم الكثيفة التي غطت على وسامتهم، كان منظرهم يبدو عليهم وقاراً من نوع لم تألفه المحطة ولا المدينة، وحين أركبوهم بإحدى العربات الحديدية الفارغة وأغلقوها عليهم، سار بهم القطار!
كان القطار يبتعد حاملا تلك البضاعة النادرة في العربة الحديدية الفارغة إلا من تلك الأجساد النحيفة، اختفى من الأفق، وعاد الشرطة والحرس المدني، كانت الأسئلة عن قصة هؤلاء الرجال، ولماذا أركبوهم بعربة حديدية فارغة وأغلقوها عليهم!
أسئلة حائرة بلا جواب، حتى جاء المعلم حلمي ليخبرهم أن هؤلاء الرجال ثوار الكفاح المسلح الذين أمضوا ثلاث سنوات في الأهوار يقاتلون الحكومة!
الآن بدأ يسمع صوت صافرة القطار تعود بنبرة مختلفة، صار يبتسم ويخرج من حزنه وذكرياته، صاح بصوت عال: رجع القطار!
رد عليه ولده،
- لا يا أبي هذا صوت صافرة الإنذار، هناك غارة قادمة!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر