منبر العراق الحر :
اللغة أضحت مالحة جدًا،
يا صديقي العذب.
لا ثياب داخلية ملونة معلّقة على حبال الغسيل الممتدة
من عيوننا إلى أقفية النساء،
كما لم نعد نُرزق بالأحلام الطريدة.
غادرت الأثداء صدور الأمهات إلى ملاعب التسلية،
وجُمعت الحلمات بكل المقاييس والأشكال
في علب بلاستيكية شفافة، على واجهات الدكاكين،
كي نشتري الملهاة بالعملة الصعبة،
في هذا الزمن العقوق.
أفواهنا أدمنت رضاعة الهواء من حلمات الشعارات،
والأديان أرضعتنا حليب التين.
نلحس دمعنا لبلّ ريقنا الناشف،
ويأكل العرق خبز جباهنا الذي ملّحته الشمس،
ونقتات على “هذا ما كتبه الله لنا”.
البلاد ممنونة لحاويات السياسة،
كأن ناسها مجرّد ذباب ودبابير.
البلاد غابة أكثريات،
ومحميات أمنية ومشيخات ثقافية أقلّوية على العدّاد المذهبي،
البلاد واحدية على العدّاد العاطل والمعطّل جينياً.
يا صديقي،
اللغة أضحت مالحة جدًا.
نوافذ البيوت تبلع ريقها الناشف،
والكلمات تلطم نفسها على شواطئ المعاني بغلاصم جافة،
والجمل بلا زعانف،
والقصائد لها عيون التماسيح،
لا تصدقوا دموعها.
البلاد، يا صديقي،
ماذا تعني غير خرائط معلقة على مرايا الشهوات التسلطية،
والعمى الإيديولوجي؟
وغير محميات للطغاة والبر الميت.
ماذا تعني غير أسلاك شائكة،
نعلق بها كأكياس النايلون؟
غير مصائد في السماء العكرة،
في الواقع العكر،
في الحزن العكر،
في الحب العكر.
غير حبوس تحتفي بسجّانيها،
تزف انتصاراتهم على المساجين العزّل.
البلاد ليست أنا،
وليست أنت،
البلاد بليدة كالنحن المزعومة،
برك ماء على الطريق،
تبصق علينا كلما داستها حوافر بغال الشد الرباعي.
الأعراس والجنازات والمواسم
أخبار عاجلة على شريط الحياة المرهونة
لافتداء القائد أو الزعيم.
في بلاد الشمس والأنهار الكبيرة والصغيرة،
لم يبق مصباح يضيء،
من الأحواز إلى رأس الناقورة.
بلاد فقؤوا عيون البصر والبصيرة فيها،
ورموها في جب العطش،
واقترعوا على ثوبها الممزق.
البلاد ليست سوى سيرة ذاتية للاستبداد والقهر.
==
======================================
منبر العراق الحر منبر العراق الحر